بحث مختصر في إسرائيل الكنعانية

عندما نذكر كلمة إسرائيل، تأخذنا أفكارنا إلى الكتاب المقدس - العهد القديم، وتبدأ تلك الأفكار تحليلاتها في هذا الإطار الضيق فقط، والسبب في ذلك هي تلك "الطريقة في التفكير"، فنبدأ بنعتهم بالشعب المقدس، لماذا؟ لأن الكتاب يقول ذلك. وظلت تلك "الطريقة في التقكير"، حتى أتى عِلم الأركيولوجيا، وبدأ يثبت العكس. ولا شك أن أفضل ما يقال في تأريخ تاريخ فلسطين ما ورد في كتاب طوماس طومسون (1) صفحة 37: "... وقد أدى الإنهماك الطويل للدراسات الكتابية بمسألة الأصول إلى تشويهات كثيرة بفهمنا للتراث. واليوم لم يعد لدينا تاريخ لإسرائيل. لم تتحوّل فصة آدم وحوّاء وقصة الطوفان، إلى خرافة فحسب، بل لم يعد بإمكاننا أيضا أن نتحدث عن زمن الآباء الأولين. لم يكن ثمة "مملكة متحدة" في التاريخ ولم يعد هناك معنى عن أنبياء ما قبل السبي وكتاباتهم. فتاريخ فلسطين العصر الحديدي لا يعرف اليوم عن إسرائيل أي شيء إلا بوصفها محمية صغيرة من المرتفعات تقع شمال أورشليم وجنوب وادي يزرعئيل... إن أي تاريخ نكتبه عن هذا الشعب لا يشبه إلا بشق النفس إسرائيل التي كنا نظن أننا نعرف الكثير عنها منذ سنوات قليلة فقط...


قلنا أن الباحث الدقيق هو الذي يخرج من جسد وعقلية انسان القرن الواحد والعشرين ويدخل في عقلية الأقدمين وتعابيرهم. ويكتب ما يراه ويعرفه طبقا لمنطق التأريخ العلمي الرصين.
لنعد الآن إلى الفترة الأولى لعهد الآباء (حسب التاريخ اليهودي) والذي يعود إلى حوالي القرن السابع عشر قبل الميلاد ونحلل تلك الفترة الزمنية حتى الخروج من مصر وذلك بالطريقة العلمية الرصينة. تقول لنا علوم الأركيولوجيا وعلم المناخ وعلوم الإجتماع أنه في بداية القرن السابع عشر قبل الميلاد دخلت المنطقة عهودا مطولة من نوبات الجفاف المتكررة من جهة وقلة المواد المائية الطبيعية من جهة أخرى، فأدخلت المنطقة بأكملها في حالة من عدم الإستقرار إذ إدت تلك النوبات التي إستمرت لحوالي قرن ونصف إلى تدمير زراعة المرتفعات التي كانت تتركز على الزيتون والعنب، وبتدمير تلك المزروعات تحوّلت المنطقة بأسرها إلى منطقة شبه مهجورة ( وفي بعض الأماكن هجرة شبه تامة)، ولم تنج سوى مساحات قليلة كمجموعة القرى الصغيرة الواقعة في الوديان المحيطة بشكيم أو تلك الواقعة على طول وادي أيالون قرب أورشليم. وثمة بعض المؤشرات أن الريف أصبح مزعزعا وخطرا في معظم المناطق ونعرف من التنقيبات وأعمال المسح الأثرية أن التجمعات السكانية في تلك الحقبة إنقسمت إلى قسمين، قسم إستمر في الزراعات التقليدية في المرتفعات وقرب الأنهر والمياه، فيما وسّع الآخرون الحياة الرعوية في شكل موسمي من الحياة البدوية. وقد أدى عدم الإستقرار السكاني إلى خلق حالة من إنعدام ضبط الأمن. وفي أثناء القرن الرابع عشر والثالث عشر تفاقمت الحالة الغير مستقرة للسكان من جهة والمناخ الجاف المسيطر على المنطقة من جهة أخرى، ما أدى إلى تعاظم قوى العصابات وقطاع الطرق الذين كانوا يسلبون ويقطعون طرق التجارة (ولا سيما التجار المصريين، مما حمل للفرعون مرنبتاح 1238 - 1209 إلى تنظيم حملة على فلسطين لحماية خط التجارة البري مع المدن الكنعانية في الشمال، والخط الذي يتجه إلى شبه الجزرة من الجنوب بإتجاه الشرق). فبكلمة واحدة، إختفت الحياة الإجتماعية في الساحل الفلسطيني بشكل شبه تام ما عدا بعض البلدات الكبيرة.


إن تلك النظرة العلمية تتناسب مع الحقيقة التاريخية، ففي هذا المنظار نجد، وبما أن المنطقة أصبحت شبه خالية، نجد أنه من الطبيعي أن يستقر الفلسطينيون في تلك المنطقة، وأن تتعاظم أعمال السلب وهم كانوا من الغزاة، وتتناسب أيضا مع السبب الذي دعا إلى الفرعون مرنبتاح إلى تنظيم حملات لتأديب المنطقة عسكريا، ولكنها لا تتناسب على الإطلاق مع التاريخ التوراتي لا من قريب ولا من بعيد.


نبقى في التاريخ العلمي الرصين وفي مستهل بحثنا في التاريخ عن جزور كلمة إسرائيل، فنرى أن أقدم سجل علمي لإستعمال كلمة إسرائيل موجودة في مخطوطات إيبلا الكنعانية بوصفها مملكة في الجنوب، ثم يعاد ذكره في السجلات المصرية للفرعون مرنبتاح 1238- 1209 في "نصب" في السنة الخامسة لحكمه، وتكلم على إنتصار على مجموعة تسمى "إسرائيل" (ويجب القول أنه في العقلية المصرية عندما تشير بواسطة "نصب" لإنتصار الفرعون على شعب ما، هي إشارة على أن هذا الشعب المهزوم كان ذي أهمية تاريخية وعسكرية كبيرة وعريقة) وتقول المصادر عينها أنه في تلك الحقبة كانت عبارة "إسرائيل(*)" إسم شعب كنعان لمنطقة غرب فلسطين (طومسون ص 148) ، ونبقى نتتبع إستعمال كلمة إسرائيل في التاريخ، ففي العصر الأشوري تكرر ذكر إسرائيل من جديد على أنها دولة إقليمية صغيرة تسيطر على المرتفعات الواقعة شمال أورشليم (2)... وعندما نحاول فهم تطوّر الدولة الصغيرة في التلال الوسطى من الضروري الإنتباه إلى الإتكال المتبادل الفريد لإقتصادات المناطق الثلاث التي كانت تشكل كتلة أراضي هذه التلال. ذلك الإقتصاد لم يكن بقاء لمزارعين متتاخمين مستقلين، بل كان ينطوي بالأحرى على نظام معقد من القرى والدساكر المترابطة. لقد كانت معتمدة إعتمادا كليا على التجارة والمقايضة مع بعضها البعض لأجل البقاء...(3). أما من الناحية الدينية - يقول طومسون- إذا كان على المرء أن يصنف نوع الدين هنا فلا يتردد في وصفه بأنه فينيقي... ولكن إذا كان على المرء أن يفكر بأي من الصفات الفنية للأشكال الدينية، فلا يمكنه أن يتجنب الإعتراف بهذا الإبن لفينيقية (4)...


يقوم الكتاب المقدس العهد القديم، بتقديم عرض مفصل للحملة الأشورية فبعد سقوط السامرة يحول الإهتمام إلى قصة تدمير أورشليم ويهوذا، ويبدأ بسرد مجموعة من القصص البطولية وأحيانا الأسطورية كما في: "سفر الملوك الثاني 18: 28- 35، الملوك الثاني 19: 35- 37، أشعيا 10: 24- 27، أشعيا 22".


أما كيف إنتهت تلك المملكة في التاريخ العلمي: "... تاريخيا، لا يبدو أن حملة الأشوريين موجهة إلى أورشليم. بل نحو إخماد تمرد في بلدة عقرون الساحلية وفي بلدة لخيش في المنخفض الساحلي، فقد كانت لخيش مفتاحا إلى إنتاج الزيتون في المرتفعات اليهودية. وكانت ظاهريا مصدر تهديد المنطقة الأول للسياسات الأشورية التي كانت تؤيد تحكم أورشليم بيهوذا. عندما سقطت لخيش في العام 701 ق.م. فقد دمِّرت. وتم ترحيل كل سكانها. والنقوش النافرة التي تمجد هذا الإنتصار بتصويرها تدمير وإحراق الجيش الأشوري للمدينة، كانت ذات مرة تزين قصر سنحريب في ننوى. واليوم يمكن رؤية تلك النقوش الشهيرة في المتحف البريطاني، ولخيش لم يُعد بنائها. كانت أورشليم، التابعة لدولة الأشورية، والمتواطئة بإرادتها، وحالما تخلصت أورشليم من منافِستها لخيش، بسطت سيطرتها على المرتفعات اليهوذية ومدت نفوذها بإتحاه الجنوب إلى النقب الشمالي...(5) "

 

بإختصار، إن إسرائيل التاريخية الوحيدة التي يمكن الحديث عنها، هي شعب دولة المرتفعات الصغيرة التي فقدت حكمها الذاتي السياسي في الربع الأخير من القرن الثامن، والتي تجاهلها المؤرخون ودارسو الكتاب المقدس على حدّ سواء وبشكل مستمر. هذه هي إسرائيل الذي يعتبر سكانها أنفسم بني إسرائيل، التي تعود إلى ضوء التاريخ بإعتبارها "شعب" مزارعي المرتفعات ذاته، كما كانوا لآلاف السنوات...(6).

 

هوامش:
1- طومسون توماس، الماضي الخرافي: التوراة والتاريخ، ترجمة عدنان حسن
2- المصدر أعلاه ص 148
3- المصدر أعلاه ص 271
4- المصدر أعلاه ص 276
5- المصدر أعلاه ص 301
6- المصدر أعلاه ص 306

 

مفردات الكلمات:
- إسرائيل: أي اسرة إيل أو عائلة إيل الإله الكنعاني اللبناني الكوني
- يهوذا: بالرغم من أن إسم يهوذا هو مصطلح جغرافي يرد ذكره في العهد الأشوري، ويشير إلى المرتفعات الواقعة جنوب القدس، فإن هذا الإسم هو إسم سياسي، إنه إسم المقاطعة الفارسية. الإسم الذي يطلقه الأشوريون على المرتفعات الجنوبية هو "ياءوداا" والإسم الأمبراطوري للفرس "يهد" لم يكونا إنعكاسين لشعب أكثر مما كان أي من الأسماء الأخرى المستخدمة لأجل أقاليم الأمبرطورية.

 

المصادر والمراجع:
- طومسون توماس، الماضي الخرافي: التوراة والتاريخ، ترجمة عدنان حسن ومرا جعه: ص 609، 610، 611
- كيث وايتلام، إختلاق إسرائيل القديمة، إسكات التاريخ الفلسطيني، ترجمة د. سحر الهندي ومراجعه: من ص 389 إلى ص 403
- السجلات والمخطوطات المصرية للألف الثاني قبل الميلاد - الفرعون مرنبتاح
- الكتاب المقدس العهد القديم، طبعة ثالثة 1994، المكتبة الشرقية بيروت - لبنان

المجموعة: البحث عن اسرائيل الكنعانية

من مؤلفات إيلبنانيون

المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

bethdesign102 

الكاتب: الأب الدكتور يوسف يمين

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ

كلمة سعيد عقل في جامعة اللويزة

 5 نيسان 2000

أبتي الرئيس، صديقي الأب يمّين، خَلِيني إثني كلمة الأستاذ مطر، إنو الجامعة هَوْن بْتِسْمَعْ كلْ الناس وبتريد كل واحد يعطي رأيو حتى هوي يحترملنا رأينا...

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب للأب يمّين ينفض كل الموروثات

الديار في 3- 12- 1999

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب جديد للأب الدكتور يوسف يمّين الإهدني ينقض كل المَوروثات والمعتقدات الدينية السائدة...

دعوة إلى تنقية المسيحية المشرقية

ميشال سبع- جريدة المستقبل

في القسم الأول من الكتاب حاول الأب يمّين كشف أن بيت لحم هي لبنانية وليست في اليهودية واسمها القديم أفراته وهي مدينة كنعانية تحدثت عنها رسائل تل العمارنة...

جائزة سعيد عقل إلى الأب يمّين

الأنوار– الاثنين 20- 3- 2000

منح الشاعر سعيد عقل جائزته الأسبوعية التاسعة للأب العلامة يوسف يمّين على كتابه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

"المسيح ولبنان

ملحق الديار "أوريزون"- الأحد 19- 12- 1999

في حوار مع السيدة "مي المر"، سؤال: "ثمة كتاب صدر مؤخرا أيضا يحاول أن يثبت بأن المسيح هو لبناني؟...

أهم ما كتب عن لبنان إطلاقا

سعيد عقل- السفير 28- 4- 200

أخذت مراكز العلم تتناول بإهتمام كتاب العلامة الأب يوسف يمّين "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

الأب يوسف يمّين في اسطر

• ولد في إهدن سنة 1933.
• بدأ دروسه الإكليريكيّة سنة 1947.
• أكمل دروسه الثانوية والجامعية في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين في بيروت.
• سُـيِّمَ كاهنا في زغرتا سنة 1962.

كتب إيلبنانيون

أبحاث إيلبنانيون

في اللإيزوتيريك

- طاولة الزمرد- العلّامة الأب يوسف يمّين

أركيولوجيا غير إعتيادية

- سلسلة مباني عملاقة- إيلبنانيون

- نظرية التطور- بين الحقيقة والخيال- إيلبنانيون

في التاريخ والأركيولوجيا

البحث عن اسرائيل الكنعانية- إيلبنانيون

- المارونية في جذورها وأبعادها الروحية- العلّامة الأب يوسف يمّين