كتاب المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

ردا على الغاء حلقة تلفزيونية في العام 2000

{besps}elloubnan/masih-lebanon{/besps}

 

 

ملاحظة أولية هامة

أمانة للحقيقة، وإحتراما للقراء الكرام، وتنويرا للرأي العام نعرض بإختصار، ولكن بكل موضوعية ووضوح، الامور التالية:

خلال شهر ت2 1999، طلبت احد المؤسسات التلفزيونية من الأب الدكتور يوسف يمّين تسجيل حلقة تلفزيونية خاصة حول كتابه الذي صدر مؤخرا (بالتعاون مع الجمعية الكونية "إيلبنانيون"): "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية". وقد تم فعلا إعداد تسجيل وتصوير مرحلتين من الحلقة التلفزيونية، ولم يبق سوى المرحلة الثالثة والأخيرة. في هذه الاثناء، تمّ توقيع الكتاب في "مقرّ الحركة الثقافية - انطلياس"، في 9 - 12 - 99، في ندوة ضمت مقدم الندوة الأب الدكتور أنطوان ضو الانطوني، والشاعر الكبير سعيد عقل، والدكتور عصام خليفة بالإضافة إلى مؤلف الكتاب. وبعد توقيع الكتاب، وقبل تسجيل المرحلة الاخيرة من الحلقة بيومين فقط، فوجئنا بأن الحلقة قد توقفت!؟

أما اسباب هذا التوقيف فقد عَزاها المسؤولون عن المحطة التلفزيونية تارة إلى أمين سرّ البطريركية المارونية، وتارة أخرى الى إتصال مباشر شخصي وشفهي من صاحب النيافة والغبطة مار نصرالله بطرس صفير الكلي الطوبى؟! علما بأن صاحب النيافة والغبطة قد أرسل إلى مؤلف الكتاب، قبل توقيع الكتاب وقبل توقيف الحلقة، الرسالة الابوية الخطية التالي نصها، بالحرف الواحد:

 

 

الكردينال

نصرالله بطرس صفير

بطريرك انطاكية وسائر المشرق

مع جزيل شكره واحر ادعيته وافضل تمنياته لكم ولكتابكم الجديد "المسيح

ولد في لبنان ". ويَسال الله أن يسدد خطاكم إلى التوفيق. 26 – 11 – 99.

 الإمضاء

 

وقد تليت هذه الرسالة الأبوية في بداية حفلة توقيع الكتاب في "مقرّ الحركة الثقافية- انطلياس"، امام جميع الحاضرين الذين كانوا يُعَدّون بالمئات

 

وقد علمنا فيما بعد من وراء توقيف الحلقة التلفزيونية، وهي فعلت ذلك، رغم معرفتها برسالة السيد البطريرك، ودون أن تزعج خاطرها وتتصل بصاحب الحلقة، ودون أن تعرف عنوان الحلقة او موضوعها، ودون ان تقرأها، ودون أن تقرأ سطرا أو حرفا واحدا منها! مع العلم أن الحلقة (والكتاب إياه) تدور فقط في إطار علمي صرف: إطار التاريخ والجغرافية والآركيولوجيا وعلم الفلك. هكذا تمّت عملية توقيف الحلقة عن بعد "وعن الغايب"، ونحن في بداية الألفية الثالثة، بداية القرن الحادي العشرين!؟ والحق يقال أنه لم يحصل مثل هذا حتى في ظلمات القرون الوسطى... رحمات الله على تلك القرون الغابرة السوداء. مع العلم اننا نحتفظ، بشكل كامل، بردّنا الطبيعي الانساني المسيحي الحر، وذلك في الوقت المناسب والطريقة المناسبة، ودوما بالمستوى الفكري الحضاري الحر... ورغم ذلك سامحهم الله وغفر لهم

 

نحن لا نعتبر أبدا كلامنا هنا ردا بحصر المعنى عل المقال الذي نشر في جريدة "النهار" وذلك للاسباب التالية:

 

كتاب "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" هو كتاب علمي تنحصر مواضيعه في أطر التاريخ والجغرافية والآثار وعلم الفلك، فقط لاغير.

 

لا علاقة للكتاب، إطلاقا، بالعقائد المسيحية او تعاليم امنا الكنيسة الكاثوليكية او الامور الدينية. لاننا نعتقد، اكثر من غيرنا، "ان الكنيسة هي ركن الحق واساسه" (الاولى الى تيموتاوس 3 : 15)، "وانها جسد المسيح وملىء ذاك الذي يسع كل شيء في كل شيء" (أفسس 1 : 23). وبالتالي، نحن نغار على المسيح والمسيحية ونتمسك بعقائد الكنيسة وتعاليمها- لا بالكلام والمظاهر فقط، بل بالكلام والفعل حتى الدم... اكثر من غيرنا بكثير

 

نحن مستعدون دوما وابدا ان نناقش كل حرف من حروف كتابنا "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"، بكل إنفتاح وبالمستوى العلمي والحضاري المطلوب، ولكن مع علماء أحرار إختصاصيين في مجالات التاريخ والجغرافية والآثار والفلك، وذلك في اي زمان ومكان وظرف. لا مع اختصاصيين في غير هذه العلوم الحديثة المتطورة...

 

وهكذا، فإن كلامنا هذا لا نعتبره ردا على

بل نعتبره بالاحرى توضيحا للرأي العام وتصحيحا لكل إلتباس قد يحصل لدى الذين لم يقرأوا الكتاب أو الذين يظنون أن الكتاب له علاقة بالعقائد المسيحية أو بتعاليم أمنا الكنيسة المقدسة. الكتاب، مرة اخرى واخيرة، هو كتاب علمي: تاريخي، جغرافي وآثاري. ومن له أذنان سامعتان، فليسمع!

 

مقدمة

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ والجغرافية والآثار، من شروحات وتفسيرات كبار الاختصاصيين الكاثوليك في هذه العلوم. ومن تطوّر علم الآركيولوجيا الحديث.

 

مع ظهور النقد العلمي الحديث وتطور العلوم المعاصرة، تواكب امنا الكنيسة المقدسة كل هذه التطورات الحديثة. وقد صححت بالفعل – وهي تصحح وسوف تصحح – بعض الامور الواردة في الكتاب المقدس، والمتعلقة، فقط لا غير، بأمور النسخ والترجمة والتاريخ والجغرافية والحساب. وهي أمور علمية لا تمس الدين ولا العقيدة ولا التعاليم الاساسية للكنيسة، بل على العكس تظهرها بكل حقيقتها، لأن الكنيسة، مرة أخرى "هي ركن الحق واساسه". وإليكم بعض هذه التصحيحات العلمية واللغوية والتاريخية والجغرافية التي قامت بها الكنيسة في النسخ والترجمات المعاصرة للكتاب المقدس. (وكتاب "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" ينطلق من هذه التصحيحات بالذات ويدور في مجالاتها فقط).

 

التصحيح الاول:

وهو تاريخي وجغرافي، يتعلق بوجود مدينتين إثنتين بإسم بيت لحم: الاولى وهي الأقدم، توجد في الجليل، والثانية توجد في اليهودية، وهي المعروفة اليوم!
    
جاء في الكتاب المقدس نفسه:"... وتنتهي حدود أرض زبولون (في الجليل إلى الشرق من جبل الكرمل) الى وادي يفتح إيل وقطة ونهلال وشمعون ويرألة وبيت لحم ...". وجاء في التعليق على عبارة " بيت لحم" هذه، الشرح التالي، بالحرف الواحد:"هي غير بيت لحم التي في يهوذا، وكانت في الجليل الاسفل" (راجع النسخة الكاثوليكية الجديدة، دار المشرق، بيروت، طبعة 1989- سفر يشوع 19 : 15، الحاشية رقم 2، ص452، العمود الاول)
     
 ألم يكن جميع الناس يظنّون أن هناك بيت لحم واحدة، وهي بيت لحم اليهودية المعروفة اليوم؟! بلى.

 

التصحيح الثاني:

     وهو تصحيح لغوي متعلق بالترجمة، غير أن له ابعادا تاريخية وجغرافية بالغة الاهمية...

 

جاء في الكتاب المقدس نفسه:" وجاء يوسف (بعد عودته من مصر) مدينة  يقال  لها الناصرة فسكن فيها،  ليتم ما قيل عن  لسان الانبياء: إنه (أي المسيح) يدعى ناصريا". وجاء في التعليق على عبارة "ناصريا" هذه، الشرح التالي، بالحرف الواحد:" ناصريا: يصعب علينا  ان نعرف بدقة ما هو النص الذي يستند  اليه متى. فاللفظ المستعمل (ناصريا) لا يدل على أحد سكان الناصرة ..."!! (راجع النسخة نفسها، في المرجع السابق، متى 2 : 23 الحاشية رقم 14، ص40). ويظهر أنه كان هناك خطأ منذ البداية في الترجمة بين عبارتين ساميتين، غير يونانيتين في الاصل، هما Nazarenos وتعني النذير او المنذور للرب، و Nazoraios وتعني الناصريّ. وهكذا " إنه (أي المسيح) يدعى ناصريا"، لا تعني، في الاصل، إنه من الناصرة، بل تعني إنه منذور للربّ. والغريب حقا، أن الجميع كان يعتقد، منذ الفي سنة، ان عبارة "يدعى ناصريا" تعني أن المسيح كان من سكان الناصرة، وها هي الكنيسة نفسها تأتي فتصحح ذلك فتقول: كلا! عبارة "يدعى ناصريا" لا تعني ابدا أن يسوع كان من سكان الناصرة، بل هذه العبارة تعني، في الحقيقة، إن يسوع كان منذورا للربّ! ولم يكن من سكان الناصرة! إن هذا التصحيح، ولو جاء متأخرا، هو تصحيح بالغ الاهمية

 

التصحيح الثالث:

وهو تصحيح جغرافي متعلق بالخرائط، ويدور حول المكان الحقيقي لتجلي ربنا يسوع المسيح.

 

جاء في الانجيل المقدس نفسه ما يلي :"وبعد ستة ايام مضى يسوع ببطرس ويعقوب واخيه يوحنا، فأنفرد بهم على جبل عال، وتجلى بمرأى منهم، فأشع وجهه كالشمس، وتلألأت ثيابه كالنور..." وجاء في التعليق "على جبل عال"، الشرح التالي بالحرف الواحد:"جبل الشيخ (حرمون) في رأي أكثر علماء عصرنا!! (راجع الانجيل المقدس، منشورات دار المشرق بيروت، الطبعة الثامنة، 1979، متى 17 :1 – 2، الحاشية رقم 2، ص 95)

 

كان جميع الناس يعتقدون، ومنذ حوالي الفي سنة، أن المسيح تجلى على جبل طابور (طور طابور)، كما قيل لهم وكما قرأوا في النسخ القديمة للإنجيل المقدس، علما أن الإنجيل لا يقول أن المسيح تجلى على "طور طابور"، بل على جبل عال. وطور طابور بالمناسبة، هو جبل صغير يعلو 560 مترا فقط وليس هو ب "جبل عال"، ويقع بجانب الناصرة إلى الشرق. فها هي الكنيسة نفسها تأتي وتصحح مكان تجلي يسوع المسيح، وتقول: كلا لم يتجلّ المسيح على جبل طابور، كما كان يعتقد الجميع، بل هو تجلى، في الحقيقة، فوق جبل الشيخ (حرمون)، أي في لبنان! ذلك لأن "جبل طابور" كان يحوي مدينة رومانية محصنة على ايام المسيح (قاموس الكتاب المقدس، مجمع كنائس الشرق الأدنى، الطبعة الثانية، ص211) وهناك تصحيحات أخرى كثيرة قامت بها الكنيسة، على فترات متتالية، في مجالات الترجمة واللغة وعلوم التاريخ والجغرافية والآثار، فقط لا غير، دون أن تمسّّ هذه التصحيحات الأمور الدينية أو العقائدية أو التعاليم الرسمية للكنيسة على الإطلاق. فالكنيسة لا تعتبر أبدا أن الكتب المقدسة - ومنها الاناجيل الاربعة - لا تعتبرها كتبا علمية تاريخية جغرافية... بل تعتبرها كتبا دينية فقط، وهي كذلك في الاصل والحقيقة والواقع. غير أن البعض من عامة المسيحيين لا يزال يعتقد أن الكتب المقدسة هي كتب تاريخية وجغرافية، ويخلط، حتى حدود التماهي، بين الحقائق والعقائد الدينية، وبين الحقائق التاريخية والجغرافية. إنه أمر غريب حقا، ونحن في بداية الالف الثالث للمسيح! (وتصحيح ولادة السيد المسيح...).

 

المسيح ولد في بيت لحم اللبنانية لا في بيت لحم اليهودية

بعد إنتصار الملك قسطنطين الكبير على مكسانس قرب روما عام 312 وإعطائه الحرية للديانة المسيحية في كل أرجاء أمبرطوريته، عام 324، ارسل فأزال التماثيل وكل معالم الوثنية من الاراضي المقدسة المسيحية. وحوالي 330، امر ببناء كنيسة كبيرة في بيت لحم اليهودية، فوق المغارة التي قيل له إن المسيح ولد فيها. وقد أخذ باقوال المسيحيين المتهودين ( من أصل يهودي) اي باقوال "كنيسة الختان" التي كانت الكنيسة المسيحية الرسمية في بيت لحم واليهودية آنذاك، وبأقوال بعض الحجاج من النساء التقيّات، وبالتفسيرات الشعبية السطحية والمتسرعة... وهكذا تكوّن التقليد المسيحي، والباقي إلى اليوم، والقائل بأن يسوع المسيح ولد في مغارة في بيت لحم اليهودية. هذا التقليد بالذات لم يستند الى أي اساس او برهان او دليل علميّ تاريخي وجغرافي ثابت ومحقق على الإطلاق! ( بل ان المسيح لم يولد في داخل بيت لحم بل بالقرب منها وعلى طريقها، ومعروف ان مغارة المهد الحالية كانت وما تزال في داخل بيت لحم، وإنطلاقا من المغارة توسعت البلدة من كل جهة...) وفي هذا الموضوع بالذات، تقول المؤرخة وعالمة الآثارالايطالية ماريّا تيريزا بتروتزي:" من المستحيل ان نعرف اليوم، بشكل دقيق ومحدد، اين ولد السيد المسيح! هل ولد فعلا في احدى المغاور الصغيرة في بيت لحم ام في مزود في زوايا احدى المضافات..."!("بيت لحم"، مطابع الفرنسيسكان، اورشليم، الترجمة الفرنسية، 1985، طبعة جديدة ومنقحة، ص83). وتضيف عالمة الآثار فتقول:" إن مغاور بيت لحم – ومنها مغارة المهد الحالية – كانت تستعمل كمقابر للأهالي في القرون المسيحية الثلاثة الأولى..."(ص94)!! فإذا كانت مغارة المهد هي في الحقيقة المكان الذي ولد فيه السيد المسيح، فهل من المعقول والمنطقي والممكن ان يجعلوا منها مقبرة للاهالي طيلة ثلاثة قرون؟ بالطبع لا. وبقيت الامور على هذه الحال الى زمن الملك قسطنطين الكبير. ومنذ قسطنطين، لا قبله، تكوّن التقليد المتهوّد الذي يقول أن يسوع المسيح ولد في بيت لحم اليهودية، المعروفة اليوم، والتي تبعد حوالي 12 كلم الى الجنوب من اورشليم، وهي التي يحج اليها المسيحيون منذ حوالي الفي سنة! هذا التقليد المتهوّد بالذات هو الذي تحاول ان تنقده وتبطله دراسة الاب الدكتور يوسف يميّن "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"، وذلك من النواحي التاريخية والجغرافية والآركيولوجية فقط لا غير، كما تبرهن بشكل علمي موضوعي مجرّد، بالادلة والحجج والبراهين والقرائن الحسية والخرائط، أن يسوع المسيح قد ولد فعلا في بيت لحم الاخرى، بيت لحم الشمالية في الجليل، في السفوح الشمالية – الشرقية لجبل الكرمل، والتي كانت تقع، آنذاك، داخل اراضي فينيقيا- لبنان. وهكذا يكون السيد المسيح قد ولد فعلا في لبنان. اجل! في لبنان. "ومن له أذنان سامعتين فليسمع"... فليسمع ثم، كي يتأكد اكثر فأكثر، فليذهب الى جوار قانا الجليل اللبنانية، الى قرية القليلة بالذات فيرى هناك، في "مقام النبي عمران"، والد مريم العذراء عند إخوتنا المسلمين وفي القرآن الكريم، فيرى ويشاهد ويلمس ويضع اصابعه العشر على قبور ورفات وعظام اجداد وآباء السيد المسيح ومريم ويوسف. اجل! كلّ هذه ظاهرة للعيان الى يومنا هذا. هل سَمِعَت بذلك اللجنة الكتابية الموقرة؟ هل قرأت عنه؟ هل ذهبت وتأكدت من ذلك؟ نحن ننتظر الجواب


يقول ميشال كسَنل الأستاذ في المعهد الكاثوليكي في باريس، في موضوع تحديد مكان ولادة المسيح: "أما أين ولد يسوع المسيح؟ فعلماء اليوم يتردّدون محتارين بين بيت لحم اليهودية (المعروفة اليوم) وبين الجليل..."! (مجلة "عالم الكتاب المقدس" – البيبليا – عدد ممتاز "ماذا نعرف عن يسوع"، عدد 109 ، آذار- نيسان، 1998، ص 6).


وفي دراسة تاريخية آركيولوجية حديثة، يقول عالم الآثار الأب جيروم مورفي أكونور، المدير المعاون لمدرسة أورشليم البيبلية الآركيولوجية الفرنسية: "إن حقل الرعاة الذي يضم مغارة الرعاة و محيطها و الكنيسة الحديثة ، بالقرب من بيت لحم اليهودية، المعروفة اليوم، هو محض إختلاق شعبي، ولا علاقة له بالتاريخ...! وهذا الإختلاق هو أمر ثابت ومؤكد، لدرجة أن محاولة إثبات تاريخية هذا الحقل لم تعد مطروحة قط... وبالإضافة إلى ذلك، فإن المغارة التي قيل فيما بعد إنها مغارة الرعاة، كانت تستعمل، مع غيرها من المغاور المجاورة، كمدافن للأموات، في القرون الثلاثة بعد المسيح..."! (مجلة "عالم الكتاب المقدّس" – البيبليا – المجلة العلمية المتخصّصة بالكتاب المقدّس، عدد ممتاز: بيت لحم المَسيحانية، آب- أيلول - تشرين الأول، 1983، ص 22 و الحاشية رقم 28).


ويقول العالم الكاثوليكي، شارل بيرّو، أحد كبار مفسِّري كتاب العهد الجديد، في دراسة حديثة جدا حول بيت لحم اليهودية، المعروفة اليوم، وحول إمكانية أن يكون المسيح ولد فيها فعلاً أم لا، يقول ما تعريبه بالحرف الواحد: "إنّ إعادة صياغة وكتابة إنجيل متىّ، وبنوع خاص، إنجيل لوقا، تجعل منهما، في الحقيقة، "تاريخاً مقدّسا ... (لا تاريخا بحصر المعنى، كما نفهمه اليوم). ويتابع: والواضح أنّ ذكر بيت لحم اليهودية عند متىّ ولوقا يعود إلى تفكير لاهوتي (لا تاريخي)، من "النوع المدراشي" المستعمل عند اليهود. وهكذا فإنّ إسم بيت لحم وتفخيمها وتعظيمها الكتابي كان معروفا تماما لدى "المسيحيّين المتهوّدين" (والعبارة لبيرّو نفسَه)!


إنّ لوقا، يتابع شارل بيرّو، يشدّد على بيت لحم اليهودية ويسمّيها "مدينة داود" (وصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي يقال لها بيت لحم... فقد كان من بيت داود وعشيرته... لوقا 2: 4 و 11)، مع أنّ تسمية مدينة داود كانت تطلق، لا على بيت لحم، بل دوماً وأبداً على مدينة أورشليم، وذلك في جميع أسفار الكتاب المقدس؟! وتفخيم وتعظيم بيت لحم اليهودية يظهران أكثر فأكثر عند نسَّاخ متى وتلاميذه حتى يصل بهم الأمر إلى التلاعب الواضح والتحوير الذي يصل إلى حدّ التناقض في نبؤة ميخا الشهيرة التي تتحدّث عن المسيح المنتظر ومكان ولادته. النص الأصلي العبري لميخا يقول بالحرف الواحد: "وأنتِ يا بيت لحم أفراتة، إنكِ أصغر عشائر يهوذا، ولكن منكِ يخرج لي من يكون متسَلطا على إسرائيل..." (ميخا 5: 1) غير أنّ متىّ يستشهد بنبؤة ميخا هذه، ويتصرّف بها ويحوّرها، فتصبح هكذا، بالحرف الواحد: "وأنتِ يا بيت لحم، أرض يهوذا، لست أصغر ولايات يهوذا، فمنكِ يخرج الوالي الذي يرعى شعبي إسرائيل" (متىّ 2: 6). وهكذا فجأة تصبح القرية الحقيرة بيت لحم اليهودية من المدائن العظيمة!...

 

ومن جهة ثانية، وهذا ملفت حقا، إن مرقس (واضع الإنجيل الأول) ويوحنا لا يذكران اي كلمة عن ميلاد المسيح، لا عن مكان ولادته ولا عن احداث طفولته؟! فالإثنان يبدآن إنجيلهما بحياته العلنيّة.

 

وبعد كلّ ما تقدم، يتابع شارل بيرّو، هل يمكننا ان نطرح السؤال الخطير التالي: هل حقيقة ولد المسيح في بيت لحم اليهودية المعروفة اليوم؟ الآراء متنوِّعة ومختلفة... ففي إنجيلي مرقس ويوحنا لا يستدل ابدا أن يسوع ولد في اليهودية او في بيت لحم بالتحديد. بل على العكس تماما، يظهر عند مرقس ويوحنا أن يسوع ولد في الجليل، "جليل الامم". والنصوص نفسها تشهد على ذلك: مرقس6: 1-47، يوحنا7: 40-43. هذه النصوص وامثالها تظهر المسيح جليليا بكل معنى الكلمة، ولا توحي لا من قريب ولا من بعيد بأن المسيح هو من ذريّة داود وبانه ولد في بيت لحم اليهودية المعروفة اليوم!!.

 

أن صمت مرقس ويوحنا عن تحديد مكان ولادة المسيح في بيت لحم اليهودية، وهما يمثلان تقليدين قديمين ومستقلين تماما الواحد عن الآخر، هذا الصمت التام عند كليهما يناقض بقوة الرأي الراهن الذي يقول ان المسيح ولد في بيت لحم اليهودية. وعندما كان المسيح في الجليل، كان "في وطنه واقاربه وبيته" (مرقس7: 4) والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا، يتابع شارل بيرّو، هو التالي: هل إن رأي اولئك المَسيحيين المتهّودين كان يرتكز على حقيقة تاريخية وجغرافية وعائلية موضوعية ومجرّدة، أم انه يتآتى "عن تأويل تاريخي مقدّس" نابع عن صيغة روحية "مدراشيّة" مسيحية متهودة، للحديث عن المسيح الداوديّ؟ أن التفسير الثاني هو الأرجح. وهكذا ينتج عمّا تقدم انه ليس هناك من برهان قاطع على أن المسيح ولد حقا في بيت لحم اليهودية، وأن علم التفسير الكتابي، في هذه المسألة ايضا، يجد نفسه في طريق مسدود، اللهم إلا إذا أريد من النص أن يقول ما لا يريد قوله..."! (شارل بيرّو، الاستاذ في المعهد الكاثوليكي في باريس، في مقالة بعنوان "الولادة في بيت لحم"، نشرها في المجلة الخاصة بالكتاب المقدس "عالم البيبليا"- اركيولوجيا- فن- تاريخ، عدد ممتاز خاص "ببيت لحم المسيحانية"، آب - أيلول- تشرين الاول، 1983، ص36-37).

 

وبعد 14 سنة على نشر مقالته هذه التي إقتطفنا منها بعض المقاطع فقط، يعود الشارح الكبير، في مقالة حديثة جدا يختصر فيها آرائه في المقالة الأولى، فيخلص إلى ما يأتي:" معروف أن متى ولوقا يعكسان، بشكل عام، وفيما يخص احداث ولادة وطفولة يسوع بنوع خاصّ، تقليدا سبقهما، هو التقليد المسيحي المتهوّد، الخاص بكنيسة الختان... فهما هكذا يرويان احداث الميلاد والطفولة بصيغة "التاريخ المقدس"، أي بصيغة كتابة "المدراش" التي كان يستخدمها اليهود عهد ذاك في اسفار العهد القديم... فلوقا مثلا، يلحّ على أن بيت لحم هي "مدينة داود" (لوقا2: 4 ،11)، مع أن هذه التسمية الملكية "مدينة داود" لم تطلق ابدا على بيت لحم، بل أطلقت دوما وابدا على مدينة اورشليم، وذلك في نصوص الكتاب المقدس نفسه - العهد القديم! وهكذا يفخم لوقا بيت لحم اليهودية ويعظمها ويعطيها دورا كبيرا لم يكن لها أصلا. ومن قرية صغيرة مغمورة تماما يجعل منها مدينة عظيمة:"مدينة داود" ومدينة المسيح! وهذا التفخيم المصطنع يظهر اكثر فاكثر عند متى (وبالاصح عند نسّاخه وتلاميذه) الذي يبلغ به الامر إلى تغيير وتحوير بعض النبؤات المتعلقة ببيت لحم وخاصة نبؤة ميخا الشهيرة (5: 1) التي تقول:"وانتِ يا بيت لحم أفراتة ، إنك اصغر عشائر يهوذا، ولكن منك يخرج لي من يكون متسلطا على إسرائيل..." (علما انه لم يكن هناك عهد ذاك، على الارض، سوى بيت لحم واحدة هي بيت لحم الشمالية الجليلية اللبنانية، اما بيت لحم اليهودية فقد بنيت بعد ذلك بمئات من السنين!!) أمّا عند نسّاخ متى فقد اصبحت نبؤة ميخا، بعد التحويرعلى الشكل التالي:"وانت يا بيت لحم أرض يهذا، لست أصغر ولايات يهوذا، فمنك يخرج الوالي الذي يرعى شعبي إسرائيل" (متى2: 6). لقد  افتعل نسّاخ متى ثلاثة تحويرات فاضحة في نبؤة ميخا التي تتالف من سطر واحد فقط، وحذفوا عبارة أساسية في النص العبري الاصلي، وهي عبارة "أفراتة"، واستبدلوها بعبارة "ارض يهوذا" (غير الموجودة في النص الأصليّ)! وهم فعلوا كل ذلك ليُظهروا ان المسيح ولد بين اليهود، في بيت لحم اليهودية القريبة من اورشليم عاصمتهم، ولئلا يظن احد فيما بعد ان المسيح ولد في بيت لحم الثانية، أي بيت لحم "جليل الامم" بين الوثنيين"... وهكذا قرأ الناس نصوص متى هذه حتى اليوم، وظنوا أن المسيح قد ولد فعلا في بيت لحم اليهودية المعروفة في ايامنا هذه! وفي الحقيقة، يختم شارل بيرّو مقالته، ان الوثائق والمراجع التاريخية - بالمفهوم الحصري للتاريخ - المتعلقة ببيت لحم اليهودية المعروفة اليوم، قليلة وغامضة وحديثة جدا، وتترك الباحث الموضوعي المجرّد في تردد وقلق وحيرة شديدة! وهكذا، يفرض التساؤل نفسه فرضا، نتيجة لكل ما تقدم: هل حقيقة ولد يسوع المسيح في بيت لحم اليهودية المعروفة اليوم، أم لا؟! الآراء متباينة ومختلفة في يومنا هذا... مع أن صمت مرقس ويوحنا يقلل كثيرا من إحتمال كون بيت لحم اليهودية، المعروفة اليوم، هي المدينة التي ولد فيها فعلا يسوع المسيح..."!! (شارل بيرّو الاستاذ في المعهد الكاثوليكي في باريس، في مقالة بعنوان "تفخيم وتعظيم بيت لحم اليهودية، نشرها في المجلة الخاصة بالكتاب المقدس "عالم البيبليا"- اركيولوجيا - فن - تاريخ - العدد رقم 101، تشرين الثاني - كانون الأول 1996، ص22).

 

المسيح ليس يهودياً - المسيح هو كنعاني - لبناني

إنّ قضية ربط يسوع المسيح بذرية داوود الجسدية هي حديثة العهد في تاريخ المسيحية. ويؤكّد أكثر مفسِّري الكتاب المقدس اليوم - وخاصة مفسِّري كتب العهد الجديد - وعلى رأسهم كبار المفسِّرين الكاثوليك أمثال ش. بيرّو، ب. بنوا، م. بوامار وغيرهم، يؤكدون جازمين أن قضية ربط يسوع المسيح بذريّة داود الجسدية هي حديثة العهد في التاريخ المسيحي، وهي تعود إلى القرن الرابع، لا قبل! (راجع مقدمة الكتاب - قانون العهد الجديد ص 22 - 23). فقد أضيفت، فيما بعد، على يدّ النسّاخ المسيحيين المتهودين (من أصل يهودي)، ووضعت في نصوص العهد الجديد في زمن متأخر. والذي يؤكد ذلك، هو أنّ تيار الإنجيليين الأربعة كان يركز على حبل مريم البتولي بيسوع، أما المسيحيّون المتهودون فكانوا يقاومون هذا الحبل البتولي...! (راجع يوحنا 6: 41-42، الحاشية 25 والشروحات، في النسخة الكاثوليكية الجديدة، النسخة اليسوعية، طبعة 1989، ص 307). ومعنى ذلك، أنّ المسيحيين المتهودين كانوا يقاومون الحبل البتولي لأنّه يلغي علاقة يسوع المسيح بذرية داوود الجسدية. وذلك لأنّهم كانوا ينتظرون مسيحاً يهودياً، بكل معنى الكلمة، من أبوين يهودين، من سلالة داود الجسدية. حتى وصل بهم الأمر إلى أن يسألوا يسوع نفسه قبيل صعوده إلى السماء: "يا ربّ، أفي هذا الزمن تعيد المُلك إلى إسرائيل؟"(أعمال الرسل 1: 6). وتعلق النسخة الجديدة، الطبعة الثامنة، 1979، ص 466، الحاشية رقم 1، شارحة وموضحة، فتقول بالحرف الواحد: "لم يفهم الرسل أنّ ملكوت يسوع ليس ملكاً دنيوياً إلا بعد نزول الروح القدس عليهم"!

 

إنّ المسيح اليهودي يأتي إذا من اليهود، ولليهود وحدهم،  وهو ملك أرضي زمني محارب، ينصرهم على أعدائهم، ويحرّرهم من الغرباء ويصبح ملكاً على عرش داود أبيه... أمّا المسيح الحقيقي الذي جاء - "وهو أمس واليوم وإلى الأبد" - يسوع المسيح نفسه إبن مريم بالجسد وإبن يوسف بالتربية، مسيح يوحنا وبولس، فهو المسيح الكوني، وهو القائل: "ليست مملكتي من هذا العالم. ولو كانت مملكتي من هذا العالم لدافع عنّي حرسي لكي لا أسلم إلى اليهود. ولكنّ مملكتي ليست من ههنا" (يوحنا 18: 36). كان المسيحييون المتهوّدين على بينة تامّة أنّه إذا جاء المسيح من حبل بتولي فلا يكون من ذريّة داوود، ولا يكون بالتالي مسيحهم المنتظر... لذلك قاوموا الحبل البتولي، كما رأينا. كان همّهم الوحيد أن يربطوا يسوع بذريّة داود الجسدية، مستخدمين كافة الطرق والوسائل والأساليب لإثبات ذلك. حتى وصل بهم الأمر إلى إستخدام نبؤات الأنبياء التي تتحدّث عن مجيء المسيح كما يحلو لهم، فأضافوا وزادوا وبدّلوا وغيّروا، فوقعوا في مغالطات تاريخية وجغرافية (فقط، لا غير). مثال على ذلك - من جملة أمثلة عديدة: يقول شارل بيرّو أحد كبار شارحي الكتاب المقدس الكاثوليك، يقول بالحرف الواحد ما تعريبه: "إنّ ناسخ متىّ (متىّ 2: 6) يحذف عبارة "أفراتة" من نبؤة ميخا 5: 1، ويستبدلها بعبارة "أرض يهوذا" (غير الموجودة في النص الأصلي لميخا)، حتى لا يظنّ الناس أنّ المسيح ولد في بيت لحم الأخرى في الشمال (أي الجليلية وبالتالي اللبنانية). وهو، أي الناسخ، لا يتورّع عن قلب معنى نبؤة ميخا عن بيت لحم والمسيح رأسا على عقب الخ... " (شارل بيرّو في كتابه "أحداث طفولة يسوع"، دفاتر الإنجيل، العدد 18، منشورات سَيرف، 1976، ص 31، العمود الأول، المقطع الأخير).

 

واليوم، وبعد أن تطوّرت العلوم التاريخية والجغرافية والأركيولوجية، وبلغ النقد التاريخي العقلي الموضوعي مبلغا متقدّما، ظهر جليا لكبار المفسِّرين المعاصرين أنّ نصوص أناجيل الطفولة - وخاصة جداول نسب يسوع بحسب متىّ ولوقا، هذه الجداول التي تربط يسوع بذريّة داود الجسدية - هذه النصوص ليست نصوصا تاريخية بالمعنى الحصري لكلمة "تاريخ"، كما نفهمها نحن اليوم، ولو كانت تحوي بعض الأحداث التاريخية الثابتة. إنّها نصوص دينية لاهوتية بالدرجة الأولى، همّها الأساسي التبشير "بالمسيح المخلص يسوع المسيح". لم يهتم واضعوها كثيرا ولم يركّزوا على الدقة التاريخية أو الجغرافية. وهي قد صيغت بأسلوب من الكتابة والفن الأدبي، محدّد وخاصّ بذلك الزمان، ومختلف عن أسلوبنا في الكتابة اليوم.

 

نكتفي هنا ببعض الإستشهادات القليلة، ولكنّ المعبّرة جداً والواضحة تماما، من كبار المفسِّرين الكاثوليك المعاصرين:

 

يقول أ. شاربانتيه، بالحرف الواحد: "كثيراً ما قرأنا أناجيل الطفولة -ومنها جداول نسب يسوع التي تربطه بذريّة داود - على أنّها "كتب تاريخية", أو روايات وحكايات شعبية. غير أنّها في الحقيقة، وقبل أي شيء آخر، كتابات لاهوتية. إنّ متىّ ولوقا يقدّمان لنا نصوصاً لاهوتية مدروسة ومركبة، في إطار فنّي أدبي من الكتابة خاص بزمنهما. وهدفهما الأساسي هو إبراز شخصية السيد المسيح وضرورة الإيمان به للوصول إلى الخلاص. وهذه النصوص مرّة أخرى، ليست نصوصا تاريخية، كما نفهم نحن التاريخ اليوم، بل هي بالأحرى نصوص إيمانية لاهوتية ... إلخ... (إتيان شاربنتيه في كتابه " من الأناجيل إلى الإنجيل" – الإيمان والفهم، منشورات سَنتيريون، 1976، ص 42).
ويقول ب. بنوا و م. أ. بوامار، وهما أبرز مفسِّري الأناجيل الكاثوليك المعاصرين: "إنّ جدولي النسَب (نسَب يسوع عند متىّ ولوقا، اللذين يربطان يسوع بذريّة داود الجسدية) ينتميان الى فنّ أدبيّ يختلف تماماً عن طريقة كتابنا اليوم، وهو لا يحاول حتى إثبات كون يسوع من ذريّة داود الجسدية، بل كان يبغي، من وجهة نظر لاهوتية فقط، وضع شخص يسوع المسيح في الإطار العام للتصميم الإلهي للخلاص..." ! ("إزّائية الأناجيل الأربعة"، المجلد الثاني، نسَب يسوع، ص 64، الحاشية رقم 12)!

 

ويقول شارل بيرّو: "إنّ جداول نسَب يسوع عند متىّ ولوقا يختلفان، الواحد عن الآخر، بشكل ملفت تماماً. وفيها عناصر غامضة وغير معروفة تاريخيا. ومن داود إلى يسوع هناك (في جداول نسَب يسوع) إسمان لا غير يتطابقان وهما شألتئيل و زربابل (!!). ومتىّ يسمّي والد يوسف البتول: يعقوب (متىّ 1: 16)، أمّا لوقا فيسمّيه: عالي (لوقا 3:24)! فكيف يمكننا التوفيق، تاريخياً، بين كلّ هذه الإختلافات؟ لا ندري. كل ما يمكننا قوله في هذا الخصوص أنّ الكاتبين إنطلقا من بقايا بعض جداول النسَب القديمة والمتباينة، ومن بعض التقاليد والروايات الشعبية، وهمّهما الوحيد هو البرهان على أنّ يسوع هو المسيح المنتظر ومخلص البشر..." (شارل بيرّو "أحداث طفولة يسوع"، دفاتر الإنجيل، عدد 18، منشورات سَيرف، باريس، 1976، ص 21، العمود الثاني، المقطع الإخير). ويقول الشارح في نفس الكتاب (ص22) :"كانت مريم مخطوبة من يوسف. غير أنّها وُجدت حُبلى من الروح القدس، أي بقوة الله، بحسب المفهوم العادي لهذه العبارة في الكتاب المقدّس وفي الأدب الكتابي. وهكذا أصبح الوضع غريباً ومتناقضا: مريم هي إمرأة يوسف والطفل الذي تحمله هو من الله. فهذا يتناقض مباشرة مع كون يسوع يأتي من ذريّة داود..." (بالحرف الواحد!!). ويقول الشارح أيضاً في نفس الكتاب ص 60، ما يلي: "إنّ رجلاً بسيطا من عامة الشعب مثل يوسف، هل يعقل أن يكون إبنا لداود؟ فيوسف كان إبنا لداود مثل تلك النساء اليهوديات اللواتي يفتخرن اليوم بأنّهنّ قريبات لمريم ..."؟!

 

ويقول دانيال روبَس المؤرخ المسيحي المعروف واليهودي الأصل: "إنه لمن المستحيل إقامة علاقة نسَب تربط أمّ يسوع بداود..." ("يسوع في زمانه"، فصل: إبن الإنسان، ص 98).

 

إنّ أقدم نصّ في العهد القديم الذي يتحدّث عن نسَب داود وذرِّيته، والذي استند إليه كتبة جداول نسَب يسوع لربطه بذريّة داود الجسدية، هو النصّ الوارد في سفر راعوت (4: 18 – 21). وعن هذا النصّ أخذت فيما بعد أسفار صموئيل والملوك والأخبار.

 

والنسخة الكاثوليكية الجديدة، التي بين أيدينا، تقول في مقدّمة كتاب راعوت، ص 510، ما يلي: "إنّ إرتقاء الكتاب يعود إلى ما بعد الجلأ. فالكاتب ينظر إلى زمن القضاة (1220- 1030- وراعوت كانت في أيام القضاة كما تقول الآية الأولى من الكتاب) نظره إلى زمن بعيد جدا. وهو مضطر إلى تفسير عادة قديمة سقط العمل بها... كما أنّ هناك ميزات لغوية توحي بزمن متأخّر. يضاف إلى ذلك أنّ تفكير الكتاب اللاهوتي (الشمولية والنظرة إلى المكافأة ومعنى الألم) يكون أقرب إلى الفهم إن وُضع في زمن بعد الجلأ..." هذا يعني بإختصار أنّ مؤلف كتاب راعوت وضعه بعد موت راعوت بأكثر من 600 سنة!! أين الدقة التاريخية، وأين الثوابت والمراجع الموضوعية في تلك القرون الغابرة؟ وتتابع النسخة الكاثوليكية الجديدة تعليقها فتصل إلى النصّ الذي نحن في صدده الآن (نسَب داود: راعوت 4: 18-21) فتقول في الصفحة 511، المقطع الثاني، الشطران الأول والثاني: "وإذا آستثنينا النسَب (4: 18-21) الذي ورد ذكره في 1 أخبار 2: 5-15، والذي يبدو أنّه قد أضيف (!!)، تبقى لسفر راعوت وحدته الأدبية..." وعندما ورد من جديد ذكر هذا النصّ - نصّ نسَب داود في سفر راعوت - في سفر الأخبار الأول 2: 5-15، ظهرت مغالطات تاريخية  فاضحة بين النصّين من جهة، وبين النصّين والحقائق التاريخية من جهة ثانية! (راجع في هذه النقطة بالذات: النسخة الكاثوليكية  الجديدة، سفر الأخبار الأول 2: 5-15، مع الحواشي والشروحات، ص 736، العمودان الأول والثاني، في باب بنو إسرائيل - سلالة يهوذا - أصل داود...). على هكذا إضافات وتحويرات ومغالطات تاريخية فاضحة، تبنى جداول نسَب يسوع المسيح كي يربط بذريّة داود الجسدية؟ أين الدقة التاريخية؟ وأين الأسانيد والمراجع الموضوعية؟

 

وفي مدخل سفرَي صموئيل، تقول النسخة الجديدة، ص 518-527، ما يلي: "تكشف المقارنة بين النصّ العبري والترجمة اليونانية إختلافات هامة... ومن المستبعد أن يكون المترجمون السبعون قد قاموا من تلقاء أنفسهم بما نلاحظه في النصّ اليوناني من إضافة وحذف... ولعلّ الترجمة اليونانية أو بالأحرى ما يظهر فيها من الأصل العبريّ، قد حاولت أن تحذف بعض التكرارات أو التناقضات... أمّا تحديد الأحداث في التاريخ فهو أمر صعب للغاية، لأنّ هذه الأحداث القديمة يحيط بها الغموض الزمني كما يحيط بقصص سفر القضاة... ليس سفرا صموئيل بسلسلة تاريخية إخبارية تتتبَع الأحداث خطوة خطوة. هما عمل أدبي يجمع موادّ غير متجانسة، بعضها قديم جدا، ويضمّ تقاليد شفهية... وصفحات يرجّح أنّها حرّرت على عهد سليمان الحكيم (972 – 933)، وإضافات زيدت بعد خراب الدولة اليهودية في السنة 587...! ويمكننا أن ننسب إلى متعصب للمذهب الملكيّ تجميع تقاليد قديمة تكوّن فصولا عديدة من الكتاب... والكلام دوما للنسخة الجديدة، التي تضيف: إنّ هذين السفرين هما تعليم أكثر منهما تاريخ لإسرائيل القديم... وفي حين كان الأعتقاد سائدا أنّ سلالة داود الملكية "سوف تدوم إلى الأبد..." فقد إنقطعت نهائيا في السنة 587، عند خراب الهيكل وجلاء السكان الثاني إلى بابل... وتختم النسخة الجديدة فتقول: ومع ذلك لن يكفوا عن الإيمان بضمان الخلود الذي وهبه الله "لبيت داود"؟!

 

وحول تحديد العلاقة وتوضيح الروابط بين أنساب داود وذريّته في سفر  الأخبار  من  جهة،  ونسَب يسوع في جداول العهد الجديد  (متىّ 1: 1-17 ولوقا 3: 23-38) من جهة ثانية، نعود إلى النسخة الجديدة: مدخل إلى سفر الأخبار (ص 727-733) فنجد التوضيحات التالية: "لم يحرّر الكاتب في الواقع رواية إستوحاها من معرفته لتاريخ شعبه القديم، بل نقل عددا من الوثائق التي بين يديه وصنفها في ترتيب يوافق ما يهدف إليه كتابه فجاءت أخباره غير كاملة ويعسر أحيانا توضيحها... وأكثر من ذلك، فقد دخلت على الكتاب، بعد إكتماله، بعض الإضافات اللاحقة... لقد أخذ بطريقة الحذف ولم يحفظ في مراجعه إلا ما أراد أن يرويه وفقا للفكرة التي كوّنها عن كتابه... وكثيرا ما يعسر علينا تفسير التغيرات في الترتيب الزمني، إذ إنّها تخضع لأسباب لاهوتية أكثر منها تاريخية! أراد الكاتب أن يعرض لنا "تفكيرا لاهوتيا في التاريخ" أكثر مما أراد أن يقوم بعرض تاريخي كامل... هناك بعض النصوص التي تعبّر عن أفكار الكاتب ونزعاته الشخصية وتصوّراته الخاصة للأحداث...! وهو يوجّه مجمل الرواية بمهارته في الحذف والإضافة إلى أهدافه الخاصة إلخ..." إنّه كلام النسخة الكاثوليكية الجديدة نفسها، بالحرف الواحد! يا للهول! على هكذا "تواريخ"  تواريخ الحذف والإضافة والنزعات الشخصية والتصوّرات الخاصة... يبنون جداول نسَب يسوع المسيح؟ كل ذلك، ليحاولوا ربطه بذريّة داود الجسدية، هذه الذريّة العجيبة الغريبة؟!

 

إليكم مثالا واحدا فقط، من أمثلة كثيرة جدا، إخترناها من سَفر الأخبار  (31-34). الآية 31 تقول: "إبن أفائيم: يشعي، وإبن يشعي: شيشان، وإبن شيشان: أحلاي". أمّا الآية 34 فتقول: ولم يكن لشيشان بنون" (هكذا وبالحرف الواحد)!

 

وإلى اليوم لا نعرف إذا كان لشيشان بنون أم لا. طبعا، الجواب على ذلك لا يقدّم ولا يؤخّر. ولكن مغالطة تاريخية واحدة، على الأقل، في المقطع الواحد لنفس النصّ في ذات الفصل! هذا كثير، ألا تظنّون؟

 

وفي العهد الجديد، جاء في إنجيل يوحنا: "فقال يسوع لليهود: أنا أتكلم بما رأيت عند أبي، وأنتم تعملون بما سمعتم من أبيكم. فأجابوه: إنّ أبانا هو إبراهيم. فقال لهم يسوع: إذا كنتم أبناء إبراهيم، لعملتم أعمال إبراهيم... قالوا له: لنا أب واحد هو الله. فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لأحببتموني، لأنني من الله خرجت وأتيت... أنتم أولاد أبيكم إبليس، تريدون إتمام شهوات أبيكم. كان منذ البدء قتالا للناس، ولم يثبت على الحق، لأنّه ليس فيه شيء من الحق. فإذا تكلم بالكذب تكلم بما عنده, لأنّه كذاب وأبو الكذب...! وأنا لو مجّدت نفسي لكان مجدي باطلا, ولكن أبي هو الذي يمجّدني, ذلك الذي تقولون أنتم: هو إلهنا. أنتم لم تعرفوه, أمّا أنا فأعرفه. ولو قلت إنّي لا أعرفه, لكنت مثلكم كاذبا..." (إنجيل يوحنا, الفصل الثامن). هذا الكلام لا يحتاج إلى أي تفسير وشرح وتوضيح. فإذا كان اليهود هم أبناء إبليس, أفيعقل أن يكون المسيح يهوديا, من أبناء إبليس؟ طبعا لا!

 

وجاء في إنجيل متىّ ما يلي: "فأجاب يسوع: لم أرسل إلا الى الخراف الضالة من آل إسرائيل" (متىّ 15: 64, وأيضا ً 10: 6). فإذا كان اليهود هم الخراف الضالة من آل إسرائيل, فهل من المعقول أن يكون المسيح من اليهود: من الخراف الضالة من آل إسرائيل؟ طبعا لا! ويجمع المؤرخون ومفسِّرو العهد القديم أن الآباء الأوّلين إبراهيم وإسحق ويعقوب كانوا يعبدون الإله الواحد "إيل", ولو بألفاظ وألقاب مختلفة: إيل شدّاي, أي القوي القدير (تكوين 17, 27, 35, 43, 48, 49)؛ "إيل عليون" العالي المتسامي (تكوين 14)؛ "إيل عولام" السرمدي (تكوين 16)؛ إيلوهيم, جمع إيل إلخ... وقد ورد إسم إيل في العهد القديم حوالي ألفي مرّة! غير أنّ الترجمات الحديثة تسمّيه: الله, السيّد, الرّب, العليّ, القدير... وقد ورد في التوراة, بالحرف الواحد: "وأقام يعقوب في شكيم مذبحا بإسم "إيل", إله إسرائيل  (تكوين 33: 20). بعد ذلك... حصل الضلال مع اليهود وأصبح اليهود "الخراف الضالة من آل إسرائيل...", كما قال المسيح نفسه

 

ويسوع المسيح هو إيل نفسه "عمانوئيل", أي إيل معنا (الله معنا), إيل الذي تجسّد بيننا, والذي "صار جسدا وحلّ فينا" (إنجيل يوحنا 1: 14). ألم يقل الإنجيل المقدس نفسه, بالحرف الواحد: "ها إنّ العذراء تحمل فتلد إبنا يسمّونه عمانوئيل (إيل معنا) أي الله معنا" (إنجيل متىّ 1: 23)؟ هكذا يسمّيه الإنجيل: "عمانوئيل", وهكذا يسمّيه الرّب وملاك الرّب والتقليد والكنيسة العهد الجديد وتاريخ المسيحية وطقوسها, وخاصة الطقس الشرقي الإنطاكي الماروني... الجميع يسمّي المسيح "عمانوئيل"، أي إيل معنا أو الله معنا (وليس يهوه معنا...). وحتى العهد القديم نفسه سبق وسمّاه عمانوئيل، على لسان النبي آشعيا (7: 14). والمسيح نفسه، عندما كان على الصليب صرخ قائلا ً: إيلي إيلي لما شبقتاني؟ أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟" (متىّ 27: 46، مرقس 15: 34 - راجع أيضا مزمور 21: 2) قال: إيل، ولم يقل: يهوه!

 

وفي العشاء السرّي، عندما قدّس المسيح الخبز والخمر، فقد قدّم ذبيحة ً كنعانية، لا بل الذبيحة الكنعانية بإمتياز، وبلغ بها إلى الكمال ولم يقدّم ذبيحة يهودية: ذبيحة العجول والثيران وبعض الحيوانات الأخرى... ومعروف أنّ ذبيحة الخبز والخمر في المسيحية، هي ذبيحة جسد المسيح ودمه، وهي من الأسرار والطقوس الأساسية في الكنيسة: سرّ الإفخارستيا، سرّ القربان، القداس الإلهي... وهكذا تستمر الذبيحة الكنعانية، وتبلغ كمالها، في المسيحية حتى آخر الأزمنة. وذلك لأن "المسيح هو كاهن إلى الأبد، على رتبة ملكي صادق" (الرسالة إلى العبرانيين، الفصل السابع - راجع أيضا ً مزمور 110). والجميع يعرف أنّ ملكي صادق هو كنعاني ورئيس كهنة إيل الإله العلي، الإله الكنعاني الواحد. لم يكن المسيح أبدا على رتبة هارون رئيس الكهنوت اليهودي، بل كان، كما يقول الكتاب المقدس نفسه، على رتبة ملكي صادق رئيس الكهنوت الكنعاني


وعن علاقة المسيح بالكنعانيين, وفي نصّ "شفاء إبنة المرأة الكنعانية", يقول متىّ, والأصّح نسّاخه المتاخرون: "فأجابها يسوع: لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين فيلقى إلى صغار الكلاب...إلخ".


والحقيقة أنّ مقطع الحوار بين المسيح والكنعانية هو إضافة وزيادة على النص الأصلي الأوّل. هذا ما يؤكده بوضوح تام, وبالحرف الواحد, الشارحان الكاثوليكيين الكبيران ب. بنوا و م. أ. بوامار, وهما يقولان أنّ النصّ الأصلي الأوّل الذي انطلق منه نسّاخ مرقص ثم نسّاخ متىّ, لم يكن يحوي الحوار بين المسيح والكنعانيين - هذا الحوار المتعصب والمذلّ للكنعانيّين - بل كان على الشكل التالي حرفيا ً: "إمرأة كنعانية, كان الشيطان يتخبّط إبنتها, سمعت أنّ يسوع قادم إلى المنطقة حيث تقيم (نواحي صيدا وصور). جاءت وسجدت له وطلبت اليه متوسّلة أن يخرج الشيطان من إبنتها. فأجابها يسوع: ما أعظم إيمانك أيتها المرأة! ليكن لك ما تريدين. إنّ الشيطان قد خرج من إبنتك. فعادت إلى بيتها ووجدت أنّ الشيطان قد خرج من إبنتها". (متىّ 15: 21-28؛ مرقس 7: 24-31) (راجع ب. بنوا و م. أ. بوامار في كتابهما الضخم المعاصر "إزّائية الأناجيل الأربعة, المجلد الثاني, الطبعة الثانية, منشورات سَيرف, 1972, ص 235-236, والحاشية رقم 156, في باب "شفاء إبنة المرأة الكنعانية",1 ,2 ,3). وهكذا إذا, لم يكن الحوار المذلّ للإمرأة الكنعانية وللكنعانيين, لم يكن موجودا في النصّ الأصلي بل هو قد أضيف على يدّ نسّاخ متىّ المتأخرين الذين كانوا عنصريين متعصبين يكرهون الكنعانيين وجميع "الأمم". والمؤسف حقا أنّهم جعلوا هذه الإضافة تخرج من فمّ المسيح نفسه, وظلت هكذا إضافات وتحويرات تؤثرّ وتتفاعل لدى كثير من المسيحيين حتى اليوم... أمّا المسيح فلم يتوجّه بكلام عنيف إلا إلى اليهود وحدهم: الويل لكم... الويل لكم... أيّها المرّاؤون... أيّتها الحيّات أولاد الأفاعي... أيّتها القبور المكلسة... أنتم أولاد إبيكم إبليس إلخ..

 

وهكذا ثبت أن هناك في كتب العهد الجديد بعض العبارات والمقاطع التي اضافها إلى النصوص الأصلية بعض النسّاخ المتأخرين الذين كانوا من المسيحيّين المتهوّدين، المتعصبين لليهود، وذلك إمّا لربط المسيح بذريّة داود وإظهاره يهوديّا، وإما لتفخيم وتعظيم بيت لحم اليهوديّة، وإما أيضا كرها "بالأمم" وخاصة بالكنعانيين خصومهم التقليديين...

 

     كلا! لم يكن المسيح يهوديا، بل هو كنعاني - لبناني. ولم يولد في بيت لحم اليهودية، المعروفة اليوم، بل ولد في بيت لحم، الجليلية اللبنانية. وعبارة "يسوع الناصري" لا تعني ابدا انه من الناصرة، بل تعني "النذير" اي المنذور للرب. كل هذه الحقائق الجديدة - التي تصدم البعض - يعرضها الكتاب بالتفصيل مقدما البراهين والحجج والأدلة والقرائن العلمية. ورب سائل يسأل، مندهشا متعجبا او معترضا: اين كانت هذه الحقائق قبل اليوم؟ لماذا لم يكتشفها احد قبل اليوم، قبل هذا الكتاب؟ لماذا؟ لماذا؟... الكتاب يعرض بالتفصيل الاجوبة على كل هذه التساؤلات. ونختصرها هنا بالآتي:


النقد العلمي للنصوص الكتابية، في مجالات اللغة والترجمة والتاريخ والجغرافية والآثار، لم يبدأ فعلا إلا في أواسط القرن الماضي.


هناك حفريات وإكتشافات آركيولوجية حديثة ومعاصرة القت أضواء كاشفة على النواحي العلمية لبعض النصوص الكتابية.


الكنيسة نفسها صححت وما تزال تصحح بعض الامور التاريخية والجغرافية في النصوص الكتابية.


إن كبار شارحي ومفسّري الكتب المقدسة، وخاصة من الكاثوليك، قد نشروا مقالات وكتبا عديدة، في السنوات الأخيرة، يعدّون فيها التصحيحات العلمية الحديثة، ويعرضون هذه الحقائق الجديدة والتي يستند اليها كتابنا نفسه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية". غير انه قد تبيّن لنا، مع الأسف الشديد، أنه حتى اصحاب الإختصاص أنفسهم، لم يطلعوا كفاية - أو أطلعوا وسكتوا خوفا... - لا على أصول النقد العلمي الحديث، ولا على الإكتشافات الآركيولوجية المعاصرة، ولا على التصحيحات التي قامت بها الكنيسة نفسها في النسخ والترجمات الاخيرة، ولا حتى على كتابات المفسرين المعاصرين للكتب المقدسة، وهي كثيرة وواضحة جدا...!

 

ألم يكفِ المسيحيين دروس الماضي، في مجالات التاريخ والجغرافية وعلوم الفلك ونشأة الكون ومركزية الارض وشكلها، وعمر الانسان الخ...؟ قال لهم اليهود ان عمر الكون يعود إلى 4600 سنة قبل المسيح فصدقوا، وقد تبين اليوم، علميا، إن عمر الكون يناهز 12 مليار سنة. قال لهم اليهود أن عمر الإنسان يعود إلى 7 آلاف سنة فصدّقوا، وقد تبين، حتى اليوم، ان عمر الإنسان العاقل يناهز 4 ملايين سنة. قيل لهم أولا إن الارض هي المحور المركزي والأجرام السماوية تدور حولها، ثم قيل لهم إن الشمس نفسها هي المحور المركزي والأجرام السماوية تدور حولها. وقد تبين اليوم، علميا، أن النظام الشمسي بكامله هو بمثابة حبة غبارصغيرة تسبح في اوقيانوسات من النظم الشمسية والسدم والمجرات وتجمع المجرات في هذا الكون الفسيح! والارض نفسها، بعد غاليليو، لم تعد مسطحة وثابتة في مكانها، بل هي تدور وتدور ("ورغم ذلك فهي تدور..."). ألم يعتذر قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، منذ سنوات، من العالم غاليليو؟! هل هناك من مجال لإعتذارات أخرى جديدة؟

 

ومن جهة ثانية، وقبل أن ننهي هذا الكلام، نسأل، نحن بدورنا، متعجبين مندهشين، والألم يحزّ في نفوسنا: لماذا هذا الإعتراض والسخط والغضب عند بعض اللبنانيين، على كون المسيح هو لبناني وغير يهودي؟ لماذا؟ هذا شرف لهم لا يضاهيه شرف ابدا. لماذا هذا التمسك بيهودية المسيح، اكثر بكثير من تمسّك اليهود انفسهم. يهودية المسيح ليست عقيدة مسيحية، على الإطلاق. لماذا بعض المسيحيين هم متهوّدون اكثر من اليهود أنفسهم؟ ألا يكفي ألفا سنة من التأثير اليهودي...؟ بلى! المّسيح هو كنعاني – لبناني، وليس يهوديا ابدا

 

خاتمة:

خلاصة الكلام، "أن كتاب المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" هو بحث تاريخي جغرافي آثاري، يحدد علميا المكان الحقيقي لولادة يسوع المسيح. لا علاقة له لا بالدين المسيحي ولا بالعقائد الإيمانية ولا بتعاليم امنا الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية. ومؤلف الكتاب مسيحي مشرقي، كاثوليكي - ايمانه ايمان بطرس- وبالإضافة إلى ذلك، هو ماروني اصيل وعريق، ولا يقبل ابدا بأن يزايد عليه أحد في إيمانه هذا!

 

والكتاب يستند أولا إلى شروحات وتفسيرات وتوضيحات أمه الكنيسة الكاثوليكية في ترجماتها ونسخها الحديثة والمعاصرة، والتصحيحات التي قامت بها في امور التاريخ والجغرافية والآثار واللغة، فقط لا غير. ويستند ثانيا إلى الاكتشافات العلمية والآثارية الحديثة والتي يجمع عليها علماء اليوم. ويستند ثالثا إلى كتابات وتفسيرات كبار شارحي الكتاب المقدس، وخاصة الكاثوليك المعاصرين، وذلك في مجالات الترجمة واللغة والتاريخ والجرافية...

 

والكتاب يحاول أن يثبت ويعلن، بالبراهين والحجج والأدلة والقرائن العلمية، والخرائط الجغرافية، الحقائق الجديدة التالية:


هناك على الأرض، وفي ارض كنعان بالذات، مدينتان اثنتان بإسم "بيت لحم": الاولى، وهي عريقة جدا في التاريخ، تقع في أرض الجليل، "جليل الأمم"، عند السفح الشمالي الشرقي لجبل الكرمل. والثانية، وهي حديثة جدا بالنسبة إلى الأولى، تقع في جنوبي فلسطين، في ارض اليهودية، على بعد حوالي 12 كلم الى الجنوب من اورشليم.


أن بيت لحم الجليل كانت تقع، عند ميلاد المسيح وبعده بفترة طويلة، كانت تقع داخل أراضي صور، أي داخل اراضي فينيقيا - لبنان، كما تشهد التواريخ والخرائط الجغرافية كافة.


ان يسوع المسيح ولد، في الحقيقة، في بيت لحم اللبنانيةهذه، وليس بيت لحم اليهودية التي يحج اليها المسيحييون منذ الفي سنة! اجل، المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية.


إن يسوع المسيح هو كنعاني لبناني، من حيث أصله ومولده ومنشأه، وليس يهوديا ابدا. أمّا أمر ربطه باليهود وتحدّره من ذرّية داود، فهو امر مصطنع، غير حقيقي وغير صحيح، والذين قاموا بهذا الربط، في وقت متأخر، هم من المسيحيّين المتهوّدين والنسّاخ المتعصبين لليهود.


إن آباء المسيح وأجداده ولدوا وماتوا ودفنوا في لبنان، ورفاتهم وقبورهم موجودة وقائمة الى يومنا هذا، في ضواحي قانا الجليل اللبنانية، مدينتهم الأصلية، وبالتحديد في "مقام النبي عمران" في اعالي بلدة القليلة اللبنانية، ونحن ندعو المسيحيّين خاصة، والعالم أجمع، الى التأكد والتثبيت من صحة ذلك على الأرض. فمن له أذنان سامعتان، فليسمع! ومن له يدان فليذهب ويضع يديه الأثنين وأصابعه العشر على أضرحة أجداد وآباء يسوع المسيح في مقام "النبي عمران" في "القليلة"، مع العلم ان عمران في القرآن الكريم وعند إخوتنا المسلمين، هو يواكيم والد العذراء مريم عند المسيحيّين.

المجموعة: مقتطفات من كتب إيلبنانيون

العوالم المنسية - روبير شارو

  

 إيلبنانيون

 لايجب ان ننكر كل القيم الموجودة في التوراة، ولو ان كل شيء فيه يعني العبرانيين وامتيازاتهم هو مزيَّف وبدون أسس. فالخروج من مصر، مثلاً، هو إما إختلاق تام وإما...

من مؤلفات إيلبنانيون

المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

bethdesign102 

الكاتب: الأب الدكتور يوسف يمين

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ

كتاب الاب يوسف يمين: أمانة ام ذاتية؟

الديار 30 آذار 2000

قرأنا كتاب الاب يوسف يمين "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" والذي حاول من خلاله اطلاعنا عن مكان ولادة المسيح...

الأب يوسف يمّين

هنري زغيب- "نهار الشباب"- الثلاثاء 8 شباط 2000

حين زرته في إهدن، قبل خمسة أعوام، طرح امامي مشروعه "الخطير" المقبل، وأراني خرائط ووثائق ومستندات...

أعذرني بونا يمين

مجلة الغد- آذار 2000 ص 48

 القنبلة التاريخية والجغرافية والدينية التي فجّرها الاب الدكتور يوسف يمّين في كتابه الجديد "المسيح ولد في لبنان...

كتب إيلبنانيون

أبحاث إيلبنانيون

في اللإيزوتيريك

   - طاولة الزمرد

أركيولوجيا غير إعتيادية

   - سلسلة مباني عملاقة

   - نظرية التطور- بين الحقيقة والخيال-

في التاريخ والأركيولوجيا

   - البحث عن اسرائيل الكنعانية