الشاعر ننوس وملحمة "بيروت الميمونة"

 

د. يوسف الحوراني


"الديونيزاك"، هي الملحمة الأكثر اثارة في التراث الكلاسيكي.


صاحبها هو الاكثر غموضا في هذا التراث، حتى ان اسمه لا يزال مجهولا، وما يتسمى به ليس الا لقبا يعني "المقدس" او "الممجد"، وقد اطلقه المؤمنون على نساك الصحراء في العهد المسيحي. وعندما حاول بعض المحققين الحاق الإسم بشخصية تاريخية معروفة وجدوا الكثيرون منه، بينهم الطبيب والأسقف وامين السر في مجمع خلقيدونيا وغيرهم (1)، وبقي ننوس (الديونيسي) غير معروف الهوية.


ستة وعشرون الف بيت من الشعر، هي الأكثر انضباطا والتزاما بالقواعد، والأشد تألقا بجمالية اللغة اليونانية، وسلاسة التراكيب (2).


ثمانية وأربعون نشيدا بالعدد، حيث توازي أعداد فصول الإلياذة والأوديسية مجتمعين. فقد كانت تحديا لهوميروس العظيم...! هكذا وصفها النقاد...


انها بحق تحد للتراث الإغريقي الملحميّ، ومن داخل التراث ذاته، وبعبقرية متفوّقة فيه من شاعر مجهول النسب.


حاول النقاد اكتشاف مثيل لها للمقارنة، فوصلوا الى الهند، وقلّبوا "المهابهاراتا" (3) والـ "رامايانا"، ولكنها بقيت هي المتفردة، وليس ما يقاربها. وقد وصفوها بأنها:
- تقليد للشعر الملحمي الهوميري، ولكنها ليست تقليدا لأحد.
- هي مخزن للميثولوجيا، لكنها سجل للمعارف والعلوم والفلسفة ايضا.
- كانت الأقل شهرة في التراث الكلاسيكي، لكنها الأكثر استحقاقا للشهرة والإنتشار.


وينقل المترجم الفرنسي الأول لها "الكونت دي مرسلَّس" رأيا بمؤلفها لـ "سيباستيان كراموازييه"، مدير المطبعة الملكية في اللوفر، في القرن السابع عشر، هو:
..."ليس هناك ما هو اغزر من كتاباته واكثر رشاقة من انشائه. كما ليس هناك ما هو اكثر سلاسة وانتظاما من اسلوب خطاباته، فهي في منتهى السمو والفخامة. انه يساوي جلال هوميروس، وسمو بندار، وتماسك سوفوكل، وحكمة يوريبيد، وعزوبة كاليماخس، وتوشيلت موزييه، وتناغم نيكاندر. فالفلاشفة يجدون لديه عبقرية الطبيعة. انه الشاعر الذي كان افلاطون يبحث عنه، دون ان يجده (XVIII)."


ولد في مصر وتثقف في مكتبة الإسكندرية في نهاية القرن الرابع للميلاد. ولكنه لم يكتب عن مصر، بل حفظ الأرض الأول لأرض لبنان، فكتب بعاطفة ومعرفة عن بيروت وصور (4)، جاعلا مركز الشرف في عالمه للأولى، ومثبتا بسبا إلهيا للثانية.


ومن حق اي قارئ ان يبحث له عن هوية ونسب بعد قرائته...


...لقد كان هناك فراغ في الذهن الحضارييبحث عن ملء له. واتجهت الأنظار الى الأبطال، وان دون معجزات، وهنا برز دور للشاعر ننوس، فانصرف الى احياء قصص ديونيسوس، ليس كبطل حرب وفتوحات وحسب، وانما كمعلم حضارة ومنشئ عمران، وموحد للعالم، حيث لا يكون فيه شرق وغرب واغريق ورومان، يقابلهم برابرة.
ومن خلال عقيدته "الأورفية" الروحية التوجه والتعاليم، جنّد فتوّته ليجعل من ديونيسيوس "القدموسي" من جديد رسالة حضارية، تجدد فتوّة الإنسانية، دون ان يهمل ان هذه العبادة دخلت الى بلاد الإغريق مع قدموس الفينيقي، حسب هيرودوت (2: 49). وتجددت مع حقيده ابن "سميلة" (2: 145). فكان هذا بطل الشاعر "ننوس".


والرسالة الحضارية، كما يسجل بعضها ديودورس الصقلي (1: 16، 17) هي: ان يقوم مع جيش كبير بزيارة العالم المعروف لتعليم الناس كيف يغرسون العنب ويزرعون القمح والشعير، لإعتقاده بأنه، حين يعلم الناس كيف يتخلون عن الوحشية ويتبنون طريقة مهذبة للعيش، سيعتبر ذلك احسانا عظيما، وسيكون له منه شرف خالد على مدى الأجيال.


لقد كان اكثر من شاعر في مجموعته "الديونيزيك". اعتبر ذاته رسولا وضع رسالته على لسان ابطاله. فنقرأ له على لسان "هرمس" الذي جاء خاطبا الفتاة "هرمونيا" لقدموس، حيث يقول عنه: "... بينما الخالدون جاء هو الضيف (قدموس) لينقذ الجميع بكلامه العذب، فهو الإنسان الذي دافع عن الزوج "زوس" في محنته، ونشر في الأولمب (مجمع الآلهة) نهار الحرية." (3: 438).


ففي هذا النص جعل قدموس داعيا للإله الأعلى "زوس" في بلاد الإغريق، وحاميا له من الثائرين والمنافسين له. وهو ما لم يحصل الا مع المسيحية والإسلام بالتبشي بإله أعلى، عالمي الوجه ولا منافس له، وذلك بعد قدموس بأكثر من خمسة عشر قرنا.


يجعل الشاعر لأرض لبنان مقاما مميزا في ملحمته، عند ذكرها، أو ذكر اي مدينة من مدنها. ففي تهنئة لهرمونيا من والدتها تقول لها: "... أن يكون لك وج فاتن، هكذا، هو ما لم يحصل لأي عذراء أخرى! فبدون خلاف هو يحمل في (عروقه) دماء بلده "الأسيري"، حيث كان يسير أدونيس المليء بالنعمة، ولكي تكون لديه هذه الفتنة، لا بد ان يكون هذا الشاب قد جاء من لبنان، حيث ترقص القيثيرية (أفروديت) (4: 78).


لقد عدّد بإعجاب عطاءات قدموس لبلاد الإغريق. وكان كمن يفاخر بعطاءات الساميين وبفضلهم على حضارة الإغريق، ليس منذ قدموس وحده، بل منذ ما قبل قدموس، حيث يذكر "دناوس" وما قدمه للهيلينيين من هدايا حضارية منها حفرة لبئر ماء، بمعول برونزي في أرض "ارغوس"، جيث اتاح لهم الإقامة في البلاد، مذكرا ان قدموس قد تجاوزه يتقديمه هدايا موهوبة بالكلام والعقلانية، ثم بجمعه بين الحروف الساكنة والصوتية، وبرسمه لاشكال الحروف، التي كان قد تعلمها في وطنه، كعجائب لعلم إلهي (4: 251- 265).


يتبنى الشاعر موضوع ديونيسيوس حفيد قدموس من ابنته "سميلة" مذكرا بأنه يشبه ديونيسوس القديم (5: 564)، وانه مثله وُلِد بإرادة من زوس (عليون)، ليقوم برسالة إنقاذ وخلاص للإنسانية.


وما كتبه عن بيروت كان يبحث عنه خلال رسالة ديونيسوس الحضارية، معتمدا على ما كتبه مؤرخو الميتولوجيا عن عراقة عائلة بطله في تحقيق هذه الرسالة الواسعة الإنتشار، ولكنه، كما يبدو، اكتشف خلال عمله بطلا جديدا للسلام، لا تتعارض رسالته مع ما يدعو هو اليه. فقد اكتشف المسيحية وربما انضوى اليها. ولم يكن ذلك تناقضا او ارتدادا او تحولا، بل كان لديه استمرار نضج والتزام واقع، نجده ملامسا له او مقاربا في كل ما كتب وتخيّل. وقد نظم انجيل يوحنا شعرا لإنسجامه (5) مع ثقافته الإغريقية.
هو جاء، وبنيّته رؤية الأرض الصورية، بلد قدموس (40: 300). فهو اراد ان يثبت ان ديونيسيوس هو ابن حفيدة أغنور، ملك صور، وان قصر جده قدموس هو في هذه المدينة التي خُطِفت منها العمة "أوروبة" (40: 355).


كما نجد وصفا لمعبد هرقل في المدينة... فهو، اي الشاعر، بمفهومه الأورفي لوحدة الألوهة والكون، دمج بين إله المعبد في الصور والشمس، فوصف الإله باللابس للكواكب، الراعي الساهر على حياة الناس (40: 370). ثم يرى فيه مجموعة الآلهة التي يعرفها لدى الشعوب المختلفة. فهو: الشمس وبعل وآمون وأبيس وكرونوس وزوس وسيرابيس وفايتون والميترا وأبولو مجتمعين معا (40: 385).


لقد كان هذا هو المفهوم الأورفي للألوهة والكون، كما تذكره الاناشيد الأورفية. ولم يشأ الوقوف عند هذا المفهوم، دون ربطه بفكرة فلسفية، فأطلق على هذه الفكرة "الزواج" الذي اولده الحب في أحلام ليلية (40: 405). ولم يقصد بذلك سوى حركة الحياة والعلاقة الدائمة والمتناغمة بين الكائنات، وكأنه كان يشرح محبة "انبدوكل" الفيلسوف الإغريقي.


ونقرأ لديه بأن ديونيسوس استمتع بطعام الآلهة "الأمبروزيا" في معبد المدينة، مما يعني بأنه تحوّل الى إله في هذه المدينة (40: 420). كما هو لم ينسى قصة "الفينيق" وتجدد الحياة بالنار (40: 400)، فقد كانت فكرة التجدد هاجسه الدائم...


يعطينا نظرية فلسفية عن الخلق ووجود الناس، حيث يشرح موضوع تركيب المادة والحياة من العناصر الأربعة، وكيفية تحوّل هذه العناصر الى كائنات حية، وفق نظرية الروماني "لوكريشيوس". وذلك ليثبت قدم سكان بيروت وعلاقتهم الأزلية بأرضهم، وهذا القول ذاته الذي قاله عن مدينة صور.


ولم ينسى عند إقامة العرس الإلهي بين بوزيدون وبيروي، ان يشير الى عداء الخنازير وشذوذهم وعدم مشاركتهم بالفرح، مما يرجح لنا انه من سلالة سامية كنعانية، تحرّم التعامل مع الخنازير.


ولم يشأ ان تكون رسالة بيروت منحة من أحد، فرأى انها حصلتعلى ذلك مكافأة حب من الإله زوس ذاته الذي اوقف مبادئ العدالة لمدينة أفروديت، بلدة النبلاء "بيروت" وليس لغيرها (41: 325)، وذلك من أجل ضمان الإنسجام في العالم (41: 322).


وهنا يعرض الشاعر معرفته بالكواكب، فتراه وكأنه عالم فلك مختص بها، بل تراه في أكثر من فرصة يذكرنا بمعرفته العملية للإفادة من مراقبة الكواكب، للسفر واتنظيم المواسم، كفلاح حاذق في أحد الارياف، يرصد الأفلاك لينظم على إيقاعها، مواسمه. وقد نعجز عن إيجاد التسميات العربية لكواكبه ومجموعتها، فتركنا معظمها على اسمه اليوناني.


انه موسوعة ثقافية بمعلوماته. فهو لم يفته بشيء، سواء عمن وضع قوانين وانظمة، أم عمن ابتكر آلات وألحانا موسيقية، وحتى انه يكشف تفاصيل لم ترد عند غيره. ومنها اننا كنا نتسائل عن التعديلات التي نسبت لقدموس في استعماله الإبجدية الفينيقية للكتابة اليونانية، فأوضح "ننوس" انه ادخل الحرف الصوتي الى الحرف الساكن. وهذه الإشارة الهامة جدا في تطوّر الكتابة، لم اقرأها عند غيره. وكنا نعتبر الموضوع تطويرا يونانيا صافيا (41: 382).


وفي وصفه للواعج الحب وعذابه لدى ديونيسيوس، نجده يتفوّق على جميع من كتب ونظم في هذا المجال، فتخاله المعلم الأكبر لشعراء الحب العذري لدى العرب، وللرومنسيين الأوروبيين. ولا انسى صورة يشبه بها البطل الذي تغلب في جميع المعارك بثور فحلٍ لسعته ذبابة الربيع (القاقوبة)، فغدا هائجا، يطعن الهواء بقرنيه، بعد ان لسعهُ الحب لفتاة بريئة لم تكترث له (42: 185).


اما دروس التعامل مع المحبوبة فلم اقرأ عند غيره مثيلا لها، وهو يجعل البطل يتلقاها بصبر من الإله "بان" صريع الهوى مثله. وهذا المقطع من الفصل يستحق ان يكون له عنوان خاص به وهو "درس في الحب" (42: 202).


حافظ على سموّ عاطفة الحب، فلم يصف العلاقة الجنسية بغير تكنيتها بربطة حزام الفتاة، مذكرا المجبين بأن هناك فتيات كثيرات ينفرن من العلاقة هذه، ويملن الى الحفاظ على عذريتهم. ولهذا التذكير يستخدم شهرة بعض إلاهات الميتولوجيا بالحفاظ على عذريتهن.


ويختم هذا الفصل بخشية والدة بيروي من ان يكون جمال ابنتها سببا لتدمير مدينتها بيروت.


وكأنه كان يرى الرؤيا وما حل ببيروت الجميلة سنة 1975.


كان يكتب الأساطير وكأنها لطبقة معيّنة من القراء، هي طبقة كبار المثقفين في العهد الكلاسيكي، حى اننا لا نقرأ اشارة او صفة لديه إلا ولها وجود وقصة مرتبطة بمن او بما يذكره. ولذا نجده ملتزما التزاما تاما بالروايات الأسطورية، مما يجعلنا نعتقد انه لم يرو قصصا من عنده، وانما ما ذكره، ولم يذكره غيره، كان من روايات شعبية، شجلها وحده تسجيلا امينا ولم يبتكرها من عنده.


وعندما وصفه لإلتقاء تيارات البحار المختلفة، تخاله عالم بحار خصص كل وقته لدراسة هذه التيارات (43: 292)


وكذلك لنقل عن معلوماته الجغرافية، فهذه لديه لا تكون الا وصف مشاهد باحث، يزور المواقع قبل ان يكتب عنها...


خلاصة رؤيا
آمن الشاعر الملحمي "ننوس" برسالة بيروت العالمية، ورأى في تشريعاتها الحقوقية، في العهد الروماني، نافذة خلاص للإنسانية توصل الى السلام وتحمي حقوق الإنسان، "مدينة واحدة من أجل جميع مدن العالم." (43: 400)...


د. يوسف الحوراني- بيروت 8- 4- 1999
من مقدمة الكتاب: "ملحمة بيروت الميمونة"

 

المصادر والمراجع

-1-

 De Marcellus (le Conte), Nonnos, les Dionisiaques ou Bacchus (Poème en XLVIII Chants Grec et Français) p. VIII: ed. Librairie de Firmin Didot Frères, Paris 1856

 

-2-

De Marcellus, p. LII

 

-3-

De Marcellus, p. L

 

-4-

Vian (francis), Nonnos de Panopolis, Les Dionysiaques, Texte établie et Traduit, p. X et XIV, éd. Les Belle Letters, Paris 1976

 

-5-

Collart (M. Paul), Nonnos de Panopolis, Etudes sur le Texte des Dionysiaques, p. 5, 6; Recherche d’Archéologie de Philologie et d’Histoire, Paris 1930

 

المجموعة: في الميثولوجيا

من مؤلفات إيلبنانيون

المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

bethdesign102 

الكاتب: الأب الدكتور يوسف يمين

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ

كلمة سعيد عقل في جامعة اللويزة

 5 نيسان 2000

أبتي الرئيس، صديقي الأب يمّين، خَلِيني إثني كلمة الأستاذ مطر، إنو الجامعة هَوْن بْتِسْمَعْ كلْ الناس وبتريد كل واحد يعطي رأيو حتى هوي يحترملنا رأينا...

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب للأب يمّين ينفض كل الموروثات

الديار في 3- 12- 1999

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب جديد للأب الدكتور يوسف يمّين الإهدني ينقض كل المَوروثات والمعتقدات الدينية السائدة...

دعوة إلى تنقية المسيحية المشرقية

ميشال سبع- جريدة المستقبل

في القسم الأول من الكتاب حاول الأب يمّين كشف أن بيت لحم هي لبنانية وليست في اليهودية واسمها القديم أفراته وهي مدينة كنعانية تحدثت عنها رسائل تل العمارنة...

جائزة سعيد عقل إلى الأب يمّين

الأنوار– الاثنين 20- 3- 2000

منح الشاعر سعيد عقل جائزته الأسبوعية التاسعة للأب العلامة يوسف يمّين على كتابه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

"المسيح ولبنان

ملحق الديار "أوريزون"- الأحد 19- 12- 1999

في حوار مع السيدة "مي المر"، سؤال: "ثمة كتاب صدر مؤخرا أيضا يحاول أن يثبت بأن المسيح هو لبناني؟...

أهم ما كتب عن لبنان إطلاقا

سعيد عقل- السفير 28- 4- 200

أخذت مراكز العلم تتناول بإهتمام كتاب العلامة الأب يوسف يمّين "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

كتب إيلبنانيون

أبحاث إيلبنانيون

في اللإيزوتيريك

- طاولة الزمرد- العلّامة الأب يوسف يمّين

أركيولوجيا غير إعتيادية

- سلسلة مباني عملاقة- إيلبنانيون

- نظرية التطور- بين الحقيقة والخيال- إيلبنانيون

في التاريخ والأركيولوجيا

البحث عن اسرائيل الكنعانية- إيلبنانيون

- المارونية في جذورها وأبعادها الروحية- العلّامة الأب يوسف يمّين