• lebanon_broken_columns_baalbeck.jpg
  • Pyramide_Kheops.jpg
  • sphinx-pyramid-cheops.jpg
  • pyramid-10.jpg
  • image_pyramid001.jpg
  • bacchus-cc-moogdroog.jpg
  • big.jpg
  • baalbeckstone.jpg
  • baalbeck_day_01.jpg

 

 

إزاحة الأنثى من فضاء الأسطورة

في قصيدة الخليقة البابلية "إينوما إيليش"

arton718-2d822

 

 

 

يطمح الفن - على ما يقول الفيلسوف الفرنسي جيل دولوزفي كتابه «ألف هضبة» - «إلى تحرير قوى الكون الغافية وتنسيقها». وتكاد تنطبق هذه المقولة على اشتغال كاتب بابلي سبقنا بنحو أربعة آلاف عام، وكتب قصيدة الخليقة البابلية التي نعثر فيها على صور مثلى للفوضى الأولية والعماء الكوني والركود والصمت والخواء، ومحاولة كاتب القصيدة تقديم مثال أسطوري عن تهدئة القوى الكونية وتنسيقها وترتيب العالم من عناصرها، مثلما يقدم الهزيمة الأولى للأنوثة في صراع السلطة بين الآلهة. قدمت المخيلة البابلية تصوراتها عن الأمر «قبل أن تسمى السماء باسم أو تذكر الأرض باسم» في قصيدة الخليقة البابلية «إينوما إيليش

 

وتتحدث « إينوما إيليش- حينما في العلى» عن الصراعات الدامية بين سلطة الأمومة في أول تجلياتها الأسطورية بشخص تيامات – وبين سلطة الأبوة ممثلة بالإله مردوخ ابن الإله إيا وزوجته دمكينا، ترد صيغ كثيرة لموضوعة الخليقة في الفكر الرافديني القديم سواء كان سومريا أو بابليا، فمنها من تنسب للعالم أصولا كونية تتعلق بالإله آنو، إله السماء السومري، بينما تتجه بعض القصائد إلى إعطاء الإله أنكي إله المياه العذبة، دورا أساسيا في خلق العالم. وثمة أساطير رافدينية أخرى تشير إلى أن الإنسان ولد تلقائيا من الأرض، بينما تتحدث بعض الأساطير عن الإله آنو الذي ولد من إخصاب السماء للأرض: «عندما ولد الإله آنو زمن الفيض، حطم البشر التراب كما يفعل العشب»، وفي مدينة «نفرّ» مقر عبادة الإله إنليل، أشارت الأسطورة إلى أن إنليل خلق الإنسان وصاغه بيديه، إلا أن قصيدة الخليقة البابلية «حينما في العلى - إينوما ايليش» احتلت الصدارة في قيمتها الأدبية وأهميتها في الفكر الأسطوري الرافديني لأنها تحدثت عن الإله مردوخ، شفيع بابل زمن ازدهار الحضارة البابلية

 

تضم قصيدة الخليقة البابلية سبعة أناشيد وتنتهي بتمجيد أسماء مردوخ الخمسين الغامضة المدلولات. وكانت لقصيدة «إينوما ايليش» مكانتها المقدسة في طقوس العبادة وفي احتفالات العام الجديد في بابل، إذ كان كبير كهنة معبد الإيساكيلا ـ معبد جميع الآلهة- يتلوها من البداية حتى النهاية في احتفالات «الأكيتو»، عند بداية التحول الربيعي بين نهاية آذار/مارس وأوائل نيسان/أبريل، ليساعد ذكر أسطورة الخلق على نهوض قوى الطبيعة الخامدة ممثلة بقيام الإله تموز– دموزي من موته نصف السنوي، واستنهاض قوى الخصوبة في الكائنات

 

هناك ترجمتان للقصيدة بينهما اختلافات في تفسير بعض مفردات وأبيات النص البابلي. الترجمة الأولى للعلامة الراحل طه باقر، والثانية للأب ألبير أبونا ود. وليد الجادر عن الباحث الفرنسي في حضارات بلاد الرافدين رينيه لابات، وهي الترجمة التي اعتمدتها هنا لسببين: أولهما أنها الترجمة الأحدث، وثانيهما أن المترجمين استفادا من الكشوفات الأثرية الحديثة التي نشرت بعد رحيل العلامة طه باقر وساعدت على فك رموز ومفردات كان يكتنفها الغموض

 

وأورد هنا مثالا على الاختلاف: طه باقر


حينما في العلى لم ينبأ عن السماء
وفي الأسفل لم تذكر الأرض باسم

وباللفظ البابلي:
حيما عيلش لا نبو شمامو
شابليش أماتّم شوما لا زكرت.

مقاطع من «إينوما إيليش- حينما في العُلى»
ترجمة ألبير أبونا ووليد الجادر

اللوح الأول
حينما في العلى لم تكن هناك سماء
وفي الأسفل لم تذكر الأرض باسم
وأبسو الأولّي الذي ستولد منه جميع الآلهة
والوالدة «تيامات» التي ستلدهم جميعا
كانا يمزجان مياههما معا،
وإذ لم تكن المراعي مجتمعة ولا القصب منظورا
وإذ لم يكن قد ظهر أحد من الآلهة،
ولم يكن حظي باسم ولا مصير
إذ ذاك من أحشائهما خلقت الآلهة

 

تمضي القصيدة في سرد حادثة ولادة أول ثنائي من الآلهة وهما – لاخمو ولاخامو اللذان خلقا أنشار وكيشار وبدورهما أنجب هذان - آنو وأنجب آنو ابنه نوديمود على صورته

 

وهكذا تكاثرت الآلهة الجديدة وأحدثت صخبا وحركة وضجيجا مما سبب الهلع لمساكن العلى ووصل ضجيجهم إلى أعماق آبسو – المياه العذبة، ولبثت الأم تيامات صابرة أمام وقاحة الأبناء وإزعاجهم المتزايد، وتصارعت لديها عاطفة الأمومة التي ترى كل اللطف والجمال في أبنائها – مع مكانتها باعتبارها المسؤولة عن إدارة هذا الكون الصغير المتنامي ورفضها لسلوكهم العاق، لكنها لم تشأ أن تؤنبهم أو تعاقبهم واحتفظت بصمتها المكابر

 

غير أن زوجها آبسو- الذي شاركها خلق الآلهة العظام – دعا مستشاره ممو وقال له:


- تعال نذهب إلى تيامات لنرى ما نفعل بشأنهم.
شرع آبسو يتكلم بصوت حاد:
- إن تصرفهم أزعجني، فلا أجد الراحة في النهار ولا النوم في الليل، أريد أن أبيدهم وأفنيهم ليسود السكون ونتمكن من النوم.
حينما سمعت الأم الأولى هذه الأقوال الرهيبة،غضبت وصرخت على زوجها :
- لماذا نبيد نحن ما خلقناه؟ لنظل لطفاء معهم مهما كان سلوكهم مزعجا.
لكن المستشار السيئ ممو كما يصفه النص- قال: أبدهم يا أبي أبِد هذا السلوك الرديء لنكون في راحة خلال النهار وننام الليل.
سرّ آبسو لسماع رأي المستشار السيئ وعانق ممو الذي جاء وجلس على ركبتيه ليقبله.

وبطريقة غامضة لم تذكرها القصيدة – تناهى إلى أسماع الأبناء عزم الوالد على إبادتهم، فأصابهم القنوط إنما لبثوا صامتين


وتوصل أحدهم وهو الإله إيا إلى جعل تعويذته القديرة تعمل ضد هذا الوالد القاسي، فتلاها عليه وهدّأه في المياه حتى اجتاحه النوم واستسلم إلى رقاد عميق، فقام إيا بخلع ملابس والده آبسو ونزع تاجه ورفع عنه جلاله الإلهي وتوشح به وقيّد آبسو وقتله

 

1
في مثل هذه الفوضى التي تحكم العلاقة بين أوائل الآلهة من الآباء – وبين جيل الآلهة الشابة، ركن الآباء إلى الدعة والسكون والنوم، وهي مرادفات للرتابة والثبات وفقدان الحيوية وانعدام القدرة على التطور والتغيير، بينما ينزع الشباب إلى الحركة والضجة والتغيير. من هنا نشأت بذرة الصراع الظاهري بين الفريقين – حسب النص البابلي، ثم تفجرت الصراعات التالية بين الآلهة الذكور والأم الأولى تيامات، مالكة لوح المصائر وربة الغمر المائي المالح

 

لقد حدث صراع وتقاطع ـ بادئ الأمر- بين الطبيعة الساكنة الكسول التي ترجئ فعل العقل وتكتفي باستشارة أحد الأبناء السيئين، وبين الثقافة المكتسبة التي حصل عليها إيا ومنها تعويذته التي استطاعت الهيمنة على الأب، فالإله إيا يوصف بأنه سيد المعرفة والحكيم العارف بكل شيء، لكنها المعرفة التي يوظفها للقتل والتدمير ويبدأها بقتل الأب الممثل للطبيعة الساكنة البدئية المحافظة، كنقطة انطلاق نحو دورة حياة جديدة لجيل تحرر من هيمنة السلطة الأبوية

 

تبدو عملية قتل الأب حسب مسوغات الكاتب البابلي – مقنعة – التضحية بشخص واحد من أجل إنقاذ الجماعة المهددة بالإبادة من قبل الأب، لكنها تنطوي على شهوة مضمرة لحيازة السلطة والمنزلة، وإن عن طريق قتل الأب تمهيدا لأحداث دامية أخرى في صراعاتهم القادمة

 

فالإله إيا العارف بكل شيء – كان على ما يبدو يتحين الفرصة للاستيلاء على عرش والده، وما إيراد حكاية الإزعاج الصبياني للوالدين إلا ذريعة لإذكاء غضب آبسو ودفعه للمواجهة مع أبنائه. وكان آبسو يدرك من جانبه أنه مهدد من الجيل الشاب الذي سوف يجرده من سلطته وعرشه في يوم قادم، لذا أقدم على خطوة استباقية لإنقاذ سلطته المهددة بعزمه على إبادة ألأبناء.

سؤال تيامات الخالد: لماذا نبيد أبناءنا من أجل السلطة؟
هذا التساؤل كان مفتتح اللحظة التاريخية في الأسطورة البابلية، ونقطة التحول في المواجهة التي سوف تترسخ بين السلطة الأمومية والسلطة الأبوية، بين الذكورة المقاتلة القاتلة والأمومة المنجبة مجددة الحياة، الذكورة التي تضحي بالحياة والأبناء من أجل المكانة والسلطة، والأنوثة التي تعمل في مدى استيلاد المستقبل وترفض الإبادة مهما كانت مسوغاتها

 

لكن رفض «آبسو» لصيحة احتجاجها كان منطويا في سياق تطلعاته – على رغبة إزاحتها عن السلطة وإنفراده بالتحكم في مصائر الأبناء باعتبارهم ملكية له وليسوا ذواتا لها استقلالها وحقها في الحياة ومبرراتها في الاختلاف، وتجاوز في عزمه هذا كل عاطفة أو رابطة دم ليفوز بالسلطة

 

يشكل قتل «آبسو» أول حدث دموي في قصيدة الخليقة وأول جريمة لقتل الأب في الأساطير الرافدينية. وعلى الضد من النظرية الفرويدية حول العقدة الأوديبية، حصلت جريمة قتل الأب من أجل السلطة وليس للاستئثار بحب الأم. وتمثل هذه الجريمة أول انقلاب سياسي في فكر ما بين النهرين الأسطوري، حيث تحققت عملية إزاحة سلطة محافظة راكدة لصالح جيل جديد متسم بالحيوية والقدرة على إحداث التغيير في عالم مضطرب ومهدد بالتلاشي نتيجة ركود الفكر الأبوي وسكونيته

 

تروي القصيدة أحداث ما بعد مقتل الأب آبسو وتولي الإله إيا السلطة من بعده:
استقر إيا في مقصورته بهدوء
وأسماها آبسو – وعين فيها المعابد
وفي هذا الموضع أنشأ قدس الأقداس
ومكث فيه مع زوجته دمكينا بكل جلالهما
وفي معبد المصائر هذا
ولد الحكيم بين الحكماء
وأغزر الآلهة علما
في حضن آبسو ولد مردوخ
إيا والده خلقه وتمخضت عنه دمكينا أمه
رضع أثداء الإلهات الحارسات
اللائي حمينه وملأنه جلالا هائلا

 

2
يضفي مؤلف قصيدة الخليقة البابلية صفاتٍ خارقة على مردوخ فيصفه بأنه هائل الحجم وله حواسُ مضاعفة، إذ يملك أربع آذان وأربع عيون وينفث النيران كالتنين من فمه – والتنين رمزه في عقيدة بابل-وعيونه تبصر كل شيء، ووهبه جده آنو مقاليد الرياح الأربعة وأودعها في يده وخلق الغبار وجعله محمولا في العاصفة، فأطلق مردوخ الرياح والزوابع وأقلق تيامات التي تحركت غاضبة حزينة كبقية الآلهة الذين أقلقتهم قدرات مردوخ، فأضمروا الشر وشرعوا يحرضون الأم تيامات على الثأر لزوجها آبسو من قاتليه، وهم يرمون إلى التخلص من سلطتها التي تهددهم لامتلاكها لوح المصائر وقالوا لها:


- حينما قتلوا زوجك حبيبك آبسو لم تواجهيهم و لم تهبي لمساعدته، وهو ذا آنو خلق الرياح الأربعة المفزعة وسلمها إلى مردوخ فاضطربت أحشاؤك وحرمنا من النوم والراحة.

ويبدو أن قضية النوم والراحة كانت الشغل الشاغل لتلك الآلهة الكسول العاطلة، وربما كانت فكرة النوم مصطلحا رمزيا للاستقرار الذي تنشده القوى المهيمنة وتتخذ منها ذرائع للقيام بأعمال انتقامية رهيبة وحروب دامية

 

يؤدي التحريض الماكر إلى ثورة تيامات التي يدفعها المحرضون إلى الانتقام، وهم ضمنا يمثلون تهديدا قائما لها، فقد اتهموها بعدم الاهتمام بمصير آبسو، وهي الشاهدة الوحيدة على مقتله التراجيدي، وهي مهددة بالمقابل من قبل إله ذكر هو مردوخ الجبار، فتجهز جيشا من المسوخ والأفاعي وتصنع الأسلحة وتلد من جوفها المائي حياتٍ عملاقة بأسنان حادة، ثم تخلق الرجال العقارب والكلاب المزبدة وشياطين العاصفة والسمك والثور الوحشي وحية البحر – التنين برؤوسها الستة، وترفع منزلة «كنكو» رفيقها وتسلمه قيادة جيوشها:

«ومن بين الآلهة أبناءها الأبكار
الذين يشكلون جيشها رفعت منزلة «كنكو»
وأودعت كل شيء لديه وأطلقت له التعويذة
وجعلته الأسمى في مجلس الآلهة وقالت له
كن زوجي الوحيد
وليرتفع اسمك أعلى من أسماء «الأنوناكي»
وأعطته لوح المصائر وثبتته على صدره،
ليكن ما تقوله راسخا.
وإذ مُجِد «كنكو» وحاز على الألوهية الأسمى
حدد مصائر بنيه:
لتخمد أقوالكم النار
وليبطل السم الذي فيكم القوى العليا»

 

3
تندفع تيامات الأم إلهة الغمر المالح بجيوشها المرعبة لمواجهة إيا الذي انتدبته الآلهة المشاغبة لمواجهتها، لكنه يهزم أمام جيش المسوخ المروع، فيتقدم مردوخ معززا بتعويذة الجد «أنشار» الذي صنع له القوس والسهام والمطرقة الإلهية والبرق وشبكة هائلة ليلقيها على تيامات، وجمع مجلس الآلهة في مأدبة ليفاوضهم بشان الخطر الذي يتهددهم جميعا من قبل الأم المنتقمة، « فأكلوا الحبوب وارتووا من الجعة القوية وحددوا مصير مردوخ المنتقم لهم

 

ولأن مردوخ هو أشد الطامعين بالسلطة تحسبا لما سوف تأتي به الحرب مع سلطة الأم الأولى، فقد اشترط على مجمع الآلهة أن يمنحوه سلطة مطلقة إذا أرادوا أن يخلصهم من هيمنة الأم الكبرى الرهيبة

 

سكر الآلهة واسترخوا وغمرهم الجذل وعينوا مصيره وتلوا التعاويذ وأمروه بحرب لإزاحة سلطة الأم وقلدوه التاج والصولجان والشارة الملوكية، عندئذ اعتلى مردوخ مركبة العاصفة وقرن بها أربعة جياد ووضع بين أسنانه النبتة الترياق التي تطفئ السم، وواجه تيامات واشتبكا في الصراع وأطلق سلاحه القدير «الطوفان»، وتقاتلا بجيوشهما حتى ألقى الشبكة عليها. وعندما أرادت ابتلاعه، أطلق العاصفة في جوفها ففتحت فمها وأطلق سهما شق معدتها ثم حطم رأسها بالمطرقة وبتر أوردتها وأرسل دمها إلى الجهات المجهولة في الرياح

 

«ثم شق جسدها إلى نصفين مثل سمكة مجففة
نصف سقّف به السماء
ونصف صنع منه الأرض
وفي السماء ثبت النجوم وصورها الفلكية
وعين أيام السنة والفصول
والاثني عشر شهرا
ورسم مدة السنة ووضع نجمة القطب
ليدوم النظام وفي كبد تيامات وضع وسط السماء
وأضاء فيها القمر وحدد بحركته الأيام ورتب منازله
ومن لعاب تيامات خلق الثلج وكثف السحاب
ومن رأسها صنع الجبال والتلال
ومن عينها اليسرى أجرى نهر «دجلة»
ومن اليمنى أجرى نهر «الفرات»
ومن ثدييها فجر الينابيع والعيون
ثم ملأ جوفها بالتراب

 

هكذا انتهت سلطة الأم الأولى التي ضحى بها الأبناء ليخلقوا العالم من جسدها الممزق. واستولى مردوخ على لوح المصائر وقتل كنكو، الزوج الثاني للأم والذي أعتبر مرتكب الخطيئة الكبرى وهي الحرب، وحكمت عليه الآلهة بالموت لانصياعه إلى جانب تيامات

 

يأخذ إيا من دم هذا الإله الخاطئ ويمزجه بالتراب ويأمر الأم الخالقة «ننتو» أو «مامي» أن تصنع جبلة أو عجينة من الدم والتراب وتشكل سبعة أزواج من الطابوق – القرميد وتجعل سبعا إناثا وسبعة ذكورا في اللحظة ذاتها (في المخيلة الرافدينية، ليس ثمة سبق لخلق الذكر بل اقترحت خلقا متوازيا متزامنا للإناث والذكور)، وأتى صنع البشر من دم الإله الخاطئ ليمنحهم جزءا إلهيا هو الروح، وجزءا أرضيا هو التراب – الجسد، وليكون كنكو كبش فداء الآلهة ويتحمل مسؤولية العقاب لأنه أوجد الموت في العالم، أما بقية الآلهة المشاركين في الحرب فسوف يتطهرون بماء الفرات لينجوا من القصاص

 

هكذا قضت سلطة مردوخ على أم المياه الأولى، وهي التي فجعت بالأبناء مرتين: مرة عندما تناسوا موقفها ورفضها إبادتهم، ومرة عندما دبروا مؤامرة الحرب لإزاحتها عن السلطة نهائيا، ليتكرّس النمط الدموي الذكوري في العهد البابلي الأخير ويواصل في العصر الآشوري في تغييب كامل لسلطة الأنوثة بحلول الآلهة الذكور محل عشتار، ويصبح مردوخ وآشور إلهي الحرب والدم لاحقا.

من جهة أخرى نقيضة، عد مجمع الآلهة ـ حسب قراءتنا- أن الخطيئة الكبرى هي الحرب التي قادها كنكو، وهي غير الخطيئة التوراتية المنسوبة إلى فعل الحب بين آدم وحواء، وجاء خلق الإنسان من مزيج دمه وتراب الأرض إيذانا بظهور الإنسان الذي استقر في أعماقه اضطراب أزلي وقلق وجودي مؤبد لا يبارحه حتى الموت، صراع مستديم بين الفناء والخلود وبين الأنوثة والذكورة يؤجج الاضطراب والتجاذب والتنافر والتقارب وتضاد الأقطاب، لأنه يجمع في عناصر تكوينه بين مادة الآلهة ومادة التراب الأرضي، فلا يقر له قرار ولا تهدأ روحه أبدا

 

4
جسّد ظهور تيامات حضور أنثى أنموذجية من إناث الأساطير تكمن رمزيتها في التناقض الذي انتقل فيما بعد للمعبودة «إنانا – عشتار» حيث تظهر الغضب والهياج والحنان والحب والخصب والأمومة والرعب، وتمثل أنواؤها وأمواجها المضطربة تهديدا للنظام الذي يستدعيه دوام الحياة. كما فعل مردوخ في تنظيمه للعالم والزمن والأماكن والمصائر ليثبت أن تيامات كانت سبب اضطراب الوجود

 

لقد تلافى مردوخ بقتل تيامات خطأ كبيرا وقع فيه والده عندما اكتفى بقتل آبسو وأبقى الأم التي لبثت تهددهم وتمثل خطورة الأنوثة القابلة للتفجر بطبيعتها، غير المنضبطة كما قدمها كاتب القصيدة، وهي تملك لوح المصائر وقوة السلطة غير المنضبطة

 

أثار موضوع القتال بين الأنوثة والذكورة قضيتين أساسيتين:
1- الالتفاف الكيدي على الأم من قبل مجموعات الأبناء.
2- خوف الأبناء من احتمال إنجابها آلهة جددا من زوجها كنكو، فتؤول السلطة ولوح المصائر لهم.
3- ولأجل تسويغ قتلها، أضفى مؤلف القصيدة صفات ذميمة عليها فجعلها شبيهة التنين – وخالقة للمسوخ وجعلها – هي التي أوجدتهم ومنحتهم الحياة – مسببة للموت والدمار ليتم القضاء عليها وتشكيل الكون من أعضائها.

بعد أن أتم مردوخ هذه المهمات، احتفلت الآلهة لأن موت الأم يمثل اكتمال رجولتهم ومغادرتهم وصاية سلطتها، وبموتها الذي تحقق برغبة الإجماع الذكوري، حصلوا على تحررهم. من جانب آخر يمثل قتل تيامات إقصاء ً للأنثى كونها الشاهدة الوحيدة على جريمتهم الأولى – قتل الأب، مثلما يشير برمزيته إلى بدء غروب سلطة ألأمومة واندحار ها

 

ويمثل صعود سلطة مردوخ استتباب النظام الكوني وخروج العالم من حالة الفوضى الأولية المتماهية مع هياج الطبيعة وعدم انضباطها ممثلة بتيامات، وتثبيت السلطة في السماء، ليصعب النيل منها بعد أن كانت مستقرة في الأعماق المائية. وبهذا بدأت دورة جديدة في الفكر الرافديني متسمة بعنف الآلهة وحروبها المتلاحقة وتسليطها أنواعا من العقاب على البشر، كالطوفان الذي روت وقائعه ملاحم عديدة أهمها ملحمة كلكامش وملحمة زيوسيدرا وأتراحاسس، لأجل الاقتصاص من خطايا البشرية.

المجموعة: في التاريخ والأركيولوجيا

من مؤلفات إيلبنانيون

المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

bethdesign102 

الكاتب: الأب الدكتور يوسف يمين

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ

كلمة سعيد عقل في جامعة اللويزة

 5 نيسان 2000

أبتي الرئيس، صديقي الأب يمّين، خَلِيني إثني كلمة الأستاذ مطر، إنو الجامعة هَوْن بْتِسْمَعْ كلْ الناس وبتريد كل واحد يعطي رأيو حتى هوي يحترملنا رأينا...

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب للأب يمّين ينفض كل الموروثات

الديار في 3- 12- 1999

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب جديد للأب الدكتور يوسف يمّين الإهدني ينقض كل المَوروثات والمعتقدات الدينية السائدة...

دعوة إلى تنقية المسيحية المشرقية

ميشال سبع- جريدة المستقبل

في القسم الأول من الكتاب حاول الأب يمّين كشف أن بيت لحم هي لبنانية وليست في اليهودية واسمها القديم أفراته وهي مدينة كنعانية تحدثت عنها رسائل تل العمارنة...

جائزة سعيد عقل إلى الأب يمّين

الأنوار– الاثنين 20- 3- 2000

منح الشاعر سعيد عقل جائزته الأسبوعية التاسعة للأب العلامة يوسف يمّين على كتابه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

"المسيح ولبنان

ملحق الديار "أوريزون"- الأحد 19- 12- 1999

في حوار مع السيدة "مي المر"، سؤال: "ثمة كتاب صدر مؤخرا أيضا يحاول أن يثبت بأن المسيح هو لبناني؟...

أهم ما كتب عن لبنان إطلاقا

سعيد عقل- السفير 28- 4- 200

أخذت مراكز العلم تتناول بإهتمام كتاب العلامة الأب يوسف يمّين "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

كتب إيلبنانيون

أبحاث إيلبنانيون

في اللإيزوتيريك

- طاولة الزمرد- العلّامة الأب يوسف يمّين

أركيولوجيا غير إعتيادية

- سلسلة مباني عملاقة- إيلبنانيون

- نظرية التطور- بين الحقيقة والخيال- إيلبنانيون

في التاريخ والأركيولوجيا

البحث عن اسرائيل الكنعانية- إيلبنانيون

- المارونية في جذورها وأبعادها الروحية- العلّامة الأب يوسف يمّين