• lebanon_broken_columns_baalbeck.jpg
  • Pyramide_Kheops.jpg
  • sphinx-pyramid-cheops.jpg
  • pyramid-10.jpg
  • image_pyramid001.jpg
  • bacchus-cc-moogdroog.jpg
  • big.jpg
  • baalbeckstone.jpg
  • baalbeck_day_01.jpg

المارونية في جذورها و أبعادها الروحية

محاضرة ألقيت بدعوة من المجلس الثقافي – التربوي ،
في قاعة المسرح البلدي -" قاعة بيار فرشخ "-
في سرايا زغرتا يوم الجمعة في 7 شباط 1986

ذلك بمناسبة الاحتفال بعيد مار مارون شفيع الطائفة المارونية

 

 

دراسة للعلامة الأب يوسف يمّين- 

إعداد وطباعة منار الحسين

 

 

سيقتصر حديثي معكم أيها الشباب الموارنة على الناحية الروحية في تاريخ الشخصية المارونية الفذّة وهذه الناحية بالذات هي بنظري ومن خلال التسلسل التاريخي عينه. المنطلق والأساس والجوهر – والطابع المميز والخاص والمستمر في الكيان الماروني عبر الأجيال منذ أواسط القرن الرابع إلى اليوم .

 

وهذا الطابع الروحي بالذات يجب أن يستمر ويتفتح و ينمو ويتفاعل و ينضج ويتكامل- خلال ورغم الصعوبات والمحن والشدائد والحروب. إذا أريد للظاهرة المارونية أن تستمر كأروع ظاهرة مشرقية لا تزال وحدها في الشرق تتوج العالم بالقداسة بقديسين وقديسات أمثال شربل و رفقا...


بعيدا عن التعصب و المغالاة بموضوعية تبهر البصر و البصيرة معا. إن المارونية المصلوبة اليوم على خشبة عار الأمم تحول إكليل الشوك الذي وضعوه على رأسها إلى تاج كرامة ونور وقداسة على رأس الإنسان والإنسانية على رأس الشرق والغرب معاً.



وعندما رفع قداسة البابا يوحنا بولس الثاني القديس شربل ثم الطوباوية رفقة الريس الراهبة المارونية فوق مذبح القديس بطرس في روما العظمى كان على البشر أجمعين كان على الأرض جمعاء أن تتطلع إلى فوق لترى المارونية: فوق.

 

وعندما أقول: الروحية المارونية فإني أقصد المعنى الواسع للكلمة – كلمة الروحية – فهي تتضمن سوية النواحي التالية: الفكرية والفلسفية والإيمانية واللاهوتية والعقائدية والكنسية والنسكية والرهبانية...

 

وزيادة في التأكيد إني أترك لغيري أو لغير هذا الحديث ان يتكلم عن الموارنة من النواحي التاريخية والاجتماعية والحضارية والوطنية والسياسية الخ ... وأكتفي هنا فقط بالحديث عن "المارونية في جذورها وأبعادها الروحية..."

 

سوف أركز على البدايات على المنطلقات على الجذور والأسس على الكنه والجوهر على الذاتية والماهية المارونية على الصعدان والأبعاد الداخلية وبكلمة على الروح المارونية.

 

هناك الجوهر وهناك الوجود، هناك الجوهري الذاتي الداخلي العميق في الشيء والكائن والشخص والمجتمع، وهناك الموجود في الخارج في المظهر في المدى والفترة وفي الأبعاد الخارجية الزمكانية.

 

هناك جسد للمارونية وهناك روح – وسوف أتحدث عن الروح عن الجوهر والجوهري...

 

فما هو الجوهر الماروني؟ ما هو الذاتي والداخلي والعميق فيها؟ ما هي روحها ما هو سرها؟ ما هي المارونية في جذورها وأبعادها الروحية؟...


في الجذور البعيدة

أي الكنعانية الأمورية و الآرامية – السريانية ...أي المشرقية القديمة

 

الشعب الماروني يتكون من الناحية الاثنية أي من ناحية العنصر أو العرق أو النسل أو الدم من ثلاثة عناصر رئيسية عريقة أصيلة عميقة الجذور في التربة المشرقية يرقى وجودها إلى ألوف وعشرات الألوف من السنين. وهذه العناصر الرئيسية الثلاث هي الشعب الكنعاني، والشعب الأموري والشعب الآرامي – السرياني. هذه الفئات الثلاث تمازجت تباعا مع الوقت خلال أجيال وكان المشرق بوتقة هذا التمازج والتفاعل والانصهار...

هذه الشعوب الأصيلة أخذ العلماء في أيامنا يكتشفون تدريجيا عظمة حضاراتها ودياناتها وعمق ورقي وانتشار إشعاعها والذي يتضح للكثيرين الآن أنها أصل الحضارتين اليونانية والأوروبية...

فالمارونية في جذورها البعيدة الشرقية القديمة قد ورثت من أصولها السريانية والآرامية والأمورية والكنعانية خلاصة الطابع المميز لهذه الحضارات والديانات والروحانيات وهذه الخلاصة وجدت معناها الأخير وكمالها في المسيحية بنوع عام وفي المسيحية المشرقية بنوع خاص.

فبين إيل والمسيح بين أول مظهر للإله الواحد الكنعاني اللبناني القديم وبين الكلمة المتجسد خط قرابة روحية مباشر ومستمر والمسيح عندما فتح ذراعيه على الصليب ليجمع البشر والتاريخ والكون في لحظة موته صرخ عاليا لتسمع جميع الخلائق من هو أبوه: "وصرخ بأعلى صوته قائلا: إيلي إيلي لمّاش بقتاني وترجمتها: إيلي إيلي كم قد مجدتني"... لقد دعا أباه إيل الإله الكنعاني اللبناني الأكبر هذا تؤكده الكنيسة اليوم مع إجماع المؤرخين وبين الجذور القديمة والجذور الحديثة هناك أنطاكية مهد المسيحية العالمية مدينة الله مدينتنا الروحية الأم...

 

انطاكية: بوتقة حضارية روحية

 

أما انطاكية كرسي البطريركية السريانية المارونية فقد كانت مدينة عريقة في القدم قبل أن جدد بناءها سلوقيوس الشهير وارث الاسكندر في هذه البلاد واسمها الأول ربلاتا ثم دعيت حمت الكبرى بالنسبة إلى حماة الصغرى أي ابيفانيا فبعد موقعة ابينوس الشهيرة صار الأمر في سوريا إلى سلوفيوس نيكاتور الأول فجدد بناء حمت الكبرى و وسع نطاقها نحو سنة 300 قبل المسيح وجعلها عاصمة للملكة السورية وسماها باسم أبيه انطيوخوس: انطاكيا... وخلال العهد السلجوقي – اليوناني ثم الهلنيستي فالروماني عرفت أنطاكيا نهضة عمرانية سياسية حضارية و دينية قلّ نظيرها في المشرق الحديث. وقد دعيت ثيوبوليس Theopolis أي مدينة الله في عهد يوستينيانوس في القرن الثالث عشر. وفي فجر المسيحية كانت انطاكيا مقراً لأكبر تجمع مسيحي في الشرق بعد أورشليم وفيها أطلق لأول مرة في التاريخ اسم "مسيحي" على أتباع السيد المسيح وهكذا أصبحت ملتقى الرسل والتلاميذ الأولين وتلاميذهم. وفيها أقام بطرس هامة الرسل كنيسته الأولى في نحو السنة العاشرة لقيامة المخلص وذلك قبل أن يذهب إلى روما وقد ورث الموارنة عن السريان كنيسة بطرس هذه انطاكيا وأخذوا يزيدون اسم بطرس على اسم بطريركهم- (انطونيوس بطرس) ويطلقون عليه اسم بطريرك انطاكيا وسائر المشرق كما نقول حتى اليوم...


وفي القرون الأولى للمسيحية أصبحت مدينة انطاكيا بوتقة حضارية كبيرة في المشرق، ففيها التقت وتمازجت وتفاعلت شعوب واتنيات وحضارات وديانات ولغات متعددة كان فيها بالإضافة إلى بقايا الشعوب الشرقية القديمة اليونان و السريان والكلدان و اليهود والرومان وغيرهم. وهذا التفاعل الإنساني بين الحضارات والأديان والشعوب جعل من انطاكيا مدينة التلاقي والتفاعل الحضاري في الشرق... فكانت مدرسة أنطاكيا الشهيرة في اللغات والعلوم والترجمات والفلسفة واللاهوت والروحانية هذه المدرسة لعبت دوراً حضاريا وروحيا رائعا فهي من جهة قابلت بين الديانات والحضارات الشرقية القديمة و الديانات والحضارات الجديدة ومن جهة ثانية سعت إلى التوفيق بين المدارس الفلسفية و اللاهوتية و الروحية الحديثة، مدرسة أثينا العقلانية مدرسة الاسكندرية الروحانية المثالية الرمزية ومدرسة روما التشريعية القانونية إنها فلسفة الانفتاح والتفاعل فلسفة التوافق..

 

في هذه الأجواء الحضارية بالذات وبعد الانطلاقة المسيحية الأولى في هذه البيئة المشبعة بالفكر والروح ظهرت بوادر الحركة النسكية الروحية الاولى بين السريان في أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع وفي المرحلة الثانية من هذه الحركة النسكية الرهبانية اي في أواسط القرن الرابع ظهر مارون مؤسس المارونية وشفيعها الذي توفي حوالي سنة 410 م...


في الجذور القريبة: الشرقية الحديثة المسيحية

المارونية في تحديدها وطبيعتها وفي ماهيتها وذاتيتها هي أولا طريقة نسكية رهبانية ثم حركة إيمانية عقائدية فكرية فلسفية لاهوتية ثم أخيراً كنيسة- فرع من الكنيسة المسيحية الشرقية الأم.

فمن حيث الطريقة النسكية الرهبانية فإن الناسك مارون هو مؤسسها وأبوها وشفيعها ومن حيث الحركة الإيمانية العقائدية الللاهوتية فهي خلقيدونية أي من اتباع المجمع المسكوني الذي عقد في خليقدونية عام 451 ومن تبع هذا المجمع استمر على الإيمان المسيحي القويم إيمان روما بخصوص طبيعة السيد المسيح ومن لم يتبعه انفصل عن روما هذا في الكنيسة الشرقية. أما من حيث كونها كنيسة فهي بطريركية مستقلة عن البطريركيات الشرقية ورثت أنطاكيا كنيسة بطرس الأولى قبل ذهابه إلى روما ومع القديس يوحنا مارون البطريرك الماروني الأول (+707) انطلقت البطريركية المارونية من لبنان واستمرت الكنيسة الوحيدة في الشرق التي بقيت بثبات و عناد على إيمان بطرس.

هذه هي المارونية من حيث التحديد والطبيعة من حيث الذاتية و الماهية- والجوهر

أما خصائصها وميزاتها بالتالي فهي الآتية:

أولا ً: حركة نسكية روحانية رهبانية في بدايتها ومنطلقاتها الأولى إذا حركة عبادة وتقشف وقداسة في الجوهر مع مارون وتلاميذه.

ثانياً: حركة فكرية عقائدية لاهوتية في مرحلتها الثانية مرحلة دير مارون الكبير والأديرة التابعة ثم الانتشار الرهباني الواسع.

ثالثاً: حركة كاثولكية (أي خلقيدونية) تجسد الاستمرار الواحد الثابت المتواصل من بطرس هامة الرسل إلى اليوم. إنها الأصالة والصلابة والثبات والعناد في الإيمان القويم عبر الأجيال.

رابعا: وبالتالي هي حركة نورانية مشعة مضيئة من طبيعتها أن تشع وتضيء وتنير ذاتها والغير منفتحة إلى فوق: إلى الله... إلى تحت: إلى التراب والأرض والتراث الشرقي مسيحيا كان أو غير مسيحي...

خامسا: حركة استشهادية مستمرة تسقيها وترويها الشهادة المسيحية من ال 350 راهب شهيد الذين استشهدوا في بداية القرن السادس إلى اليوم مرورا بالبطريرك دانيال الحدشيني في أواخر القرن الثالث عشر، إلى البطريرك جبرائيل حجولا في أواسط السابع عشر إلى الأخوة المسابكيين الثلاثة في أواسط القرن الماضي إلى اليوم والغد...

سادسا: حركة ثقافية علمية عمرانية حضارية وهذا ليس بحاجة إلى برهان إطلاقا فهو أكبر من كل برهان، يكفي أن العالم المتحضر أطلق في أوروبا بدءا من أول القرن السابع عشر هذا الشعار المثل: "عالم كماروني Savant comme un Maronite".

 

أما من حيث أبعاد هذه الروحانية المارونية والتي سوف نفصّلها في سياق الحديث فيمكن أن نرسم شكلها وصورتها وخطوطها البيانية المجسمة على الشكل التالي باختصار وتبسيط رمزي:

أولا- هناك البعد العامودي التصاعدي: من الأرض والتراث والإنسان إلى الروح فالقداسة فالمسيح فالله...

ثانيا- البعد العامودي الانحداري: من الله إلى الكلمة المتجسد إلى جسده الكنيسة إلى الإنسان فالأرض...

ثالثاً- الخط الأفقي المستمر الشامل والمنفتح نحو الأرض والطبيعة والكون من جهة ونحن الآخر الإنسان والإنسانية جمعاء من جهة أخرى...

 

هذه الأبعاد الإنسانية الروحية الثلاث: الخط التصاعدي والخط الانحداري والخط الأفقي تؤلف نوعا من صليب إنساني روحاني يكوّن الجوهر الروحاني الماروني عبر الأجيال وبعد الصليب ومن خلاله وحده فقط هناك الحياة والقيامة والصعود والخلود.

فلنبدأ بالرأس، بالمؤسس، بالشفيع...

 

مار مارون
عندنا على حياة مار مارون مستندان: رسالة وجهها القديس يوحنا فم الذهب وسيرة حياة كتبها تيودوريطس أسقف قورش في شمالي سوريا.

فالقديس يوحنا فم الذهب وجه من منفاه في أرمينيا سنة 405 م. رسالة إلى "مارون الكاهن الناسك" بها يستخبره عن أمره ويلتمس دعاءه.

 

وتيودوريطس أسقف قورش المتوفي سنة 458 م. كتب تاريخا دينيا ترجم فيه لعدد من المتوحدين والنساك بينهم مارون وبعض تلاميذه.

 

من السيرة التي وضعها تيودوريطس نستخلص أن مارون عاش على قمة جبل– القمم منذ القديم مقامات المتعبدين وعليها تقام أبنية العبادة– عاش ناسكا قرب هيكل وثني حوله إلى كنيسة وأنه قضى حياته بالصلاة والتوبة والتأمل. وأنه كان قد نصب خيمة لسكناه ولكنه قلما كان يلجأ إليها وأن حياته البارة والقدرة على الشفاء التي من الله بها عليه وفرا له صيتا بعيدا في القداسة فتقاطر إليه الناس رجالا ونساء يطلبون دعاءه ويلتمسون بركته ويشاركونه في نسكه – وأغلب نساك تلك المنطقة – القورشية – تتلمذوا له واقتفوا أثره...

فمن الثابت إذا أن مارون كان كاهنا وأنه كان يتمتع في حياته بصيت الأبرار فلا عجب إذا أن يكتب يوحنا فم الذهب الانطاكي الأصل والنشأة من منفاه إلى ناسك قديس من بلاده يستشفع دعاءه فالمنفى وإن حال دون تبركة بزيارته شان بني قومه فهو لم يمنعه عن القيام بهذا الواجب ولو من بعيد وكانت خيمة مارون في حياته ملتقى أهل الورع و التقوى يلتفون حول القديس لسماع ارشاده وتمثل سرته وقد أصبحت بعد مماته مزارا مقدسا تشيع فيه ذكراه وأمثلته الصالحة.

عاش القديس مارون في النصف الثاني من القرن الرابع و بداية القرن الخامس و توفي حوالي سنة 410 م وحال مماته تنازع تلاميذه جثمانه الطاهر ففاز به سكان البلد الأقرب إليه فحملوه إلى بلدهم حيث بنوا ديراً على اسمه ولكن لم يطل الوقت على ما يظهر من الحوادث التاريخية حتى اشتهر ديره الكبير المشيد فيما بعد على ضفاف العاصي في أرض أفامية.

 

دير مار مارون


انتشرت الحياة النسكية المتأثرة بمار مارون في وادي العاصي حول آفامية، أو "قلعة المضيق" ومن الفوارق بين التلامذة ومعلمهم أنهم لم يكتفوا على طريقة معلمهم بنصب الخيم بل بنوا الصوامع فألّفت الكنيسة والصوامع المحيطة بها على قول المسعودي (القرن العاشر) ديراً عظيماً فيه نحو 300 صومعة. وفيه كنوز عظيمة من الذهب والفضة والحجارة الكريمة وقد ذكر مؤرخ في القرن الحادي عشر أن عدد الرهبان في هذا الدير قد بلغ 800 راهب ولا مغالاة في هذا العدد لما نعلمه عن أن بعض المناسك في العصور القديمة في الشرق كانت تعد فوق الألف راهب.


وقد عظم شان هذا الدير حتى أصبحت له الرئاسة الأولى على سائر أديرة سوريا الثانية آنذاك أي المنطقة الوسطى والجنوبية من شمالي سوريا اليوم. وحضر رؤساء هذا الدير المجامع المسكونية والإقليمية ووقعوها باسمهم نيابة عن رهبان أديرة المنطقة كلها. وكتبوا الرسائل المجمعية وراسلوا الملوك والبابوات وبطاركة الشرق ابتداء من سنة 517 وناظروا خصومهم في العقيدة بحضور السلطات المدنية في دمشق أمام معاوية خليفة المسلمين سنة 659 م. وفي حلب أمام الحاكم العربي سنة 727 م. وفي انطاكيا أمام بطريركها ومن دير مار مارون هذا كان يتخذ الأساقفة و المطارنة وبعدئذ البطاركة...


ذكر المؤرخون أن الامبراطور مرقيانس مكافأة لرهبان دير مار مارون وسع الدير على العاصي سنة 452 م. وأن يوستينياس الكبير رمم أسواره في أواسط القرن السادس وهرقل زاره سنة 628 م. لدى مجيئه إلى سوريا إبان محاربته الفرس، واقام فيه مدة وأجرى عليه أوقافا وأرزاقا جمّة وظل دير مار مارون على ازدهار وفي ازدياد سنة فسنة رغم المحن التي قاساها والنكبات التي حلّت به من قبل بعض الولاة البيزنطين وبنوع خاص من الامبراطور الفتى المتهتك في أواخر القرن السابع يوستينيانوس الأخرم...

 

ظل دير مار مارون الكبير عامراً مزدهراً حتى القرن العاشر وتكلم عنه المؤرخ المسعودي وهو من مؤرخي القرن العاشر و وصفه بما يستحق قال:
"دير مار مارون بنيان عظيم حوله أكثر من 300 صومعة فيها رهبان أتقياء علماء وكان فيه من آلات الذهب و الفضة و الجوهر شيء عظيم و لهذا لقب "بدير البلّور"... وزاد المسعودي: "وخرب هذا الدير وما حوله من الصوامع بتواتر الفتن من الأعراب وحيف السلطان ..."

 

وكان خرابه من أهم الأسباب التي دعت إلى نزوح عدد من الموارنة أنئذ إلى لبنان للانضمام إلى أخوتهم الموارنة الذين كانوا قد تنصروا في شمالي لبنان خلال القرنين السادس والسابع على يد الراهب الماروني ابراهيم القورشي والرهبان تلامذة مار مارون ومار سمعان العمودي...

 

لمار مارون أديار أخرى عديدة أقامها له تلاميذه ورهبانه وأتباعه تيمنا باسمه وينيف المعروف منها على ستة عشر في أنحاء سوريا وغيرها نذكر منها دير مار مارون في صالحية دمشق فوق نهر يزيد وقد بقيت آثاره قائمة إلى بدء القرن الثامن عشر ولا يزال مكانه معروفاً إلى اليوم وديراً آخر في ضاحية القسطنطنية وغيرها...

 

هذا فضلا طبعا عن المئات بل الألوف من المناسك والصوامع مع الأديرة التي بنيت فيما بعد في لبنان والتي أثبتت أول تسمية أطلقت على جبل لبنان منذ فجر التاريخ في ملحمة جلجامش الأشورية والتسمية هي جبل الله أو جبل الآلهة... أو جبل القداسة...

 

تلامذة مار مارون
وهذه باختصار أسماء أهم تلامذة مار مارون النساك المتوحدين الذين سلكوا في طريق مار مارون وهم أعلام مدرسته الروحية:

 

ابراهيم الناسك القورشي رسول لبنان، القديس حوشب القورشي، القديس يعقوب القورشي، الناسك ليمنأوس قديس السكوت وأعمال الرحمة، القديسون يوحنا وموسى وأنطيوكوس وأنطونيوس، زابينا ناسك الوقوف صديق مار مارون ورفيقه بوليكرونيوس، مار سمعان العمودي الأول الكبير، بارادات، طاليلأوس، القديستان الناسكتان مارانا وكيرا، القديسة دومنينا، وغيرهم كثير من النساك والناسكات الذين تبعوا خطوات مارون فحولوا منطقة آفاميا وضفاف العاصي إلى جنة نسكية تشع بتجلي الروح...


مدرسة مار مارون النسكية

1- دوافع و بواعث هذه المدرسة
ما سنّة التخطي والعطاء والحب المتجسدة في المسيحية التي مارسها المسيح ويمارسها القديسون إلّا انعكاس في مجال جهد الإنسان ونشاطه العاقل الحرّ لسنة عامة وضعها الباري للكون بأجمعه. فالكون يتطور والوثبات من مستوى أسفل إلى مستوى أعلى لا تتم إلا بفداء بعض الكائنات وسقوطها إلى جانب الطريق التي تسلكها القوة الصاعدة الناهضة بالكون إلى أعلى وأرفع و أسمى...

 

هذه القوة الصاعدة والتي اسميها جاذبية الصعود هي ساحقة أحياناً، والتطور مذبح أو صليب يضحّى عليه البعض لأجل المجموع والجزء لأجل كمال الكل وارتقائه

 

هذه سنّة الله في خلقه وهي تتجلى بنوع خاص في الروح والإنسان يساند هذه السنة بحريته الشخصية، وبقدر ما ينسجم في حياته مع المشيئة الإلهية بقدر ما يرتقي نحو الله. وبقدر ما يرتقي نحو الله بقدر ما ينضج هو شخصيا. فالطريق الوحيد إلى الله هي من خلال نضج شخصيتنا الكامل...

 

والإنسان لا يرتقي إلى الله إلّا من خلال تفتح كل إمكانياته وطاقاته، والكون نفسه لا يرتقي إلى الله إلا من خلال تفتح جميع الإمكانيات الكونية الكامنة في الوجود...

 

فالإنسان في تاريخه الطويل ما تطور نحو الأنسنة فالعقلنة، ولا يستمر في تطوره التصاعدي فرديا وجماعيا نحو الروحنة إلا وفقا لسنة كونية إلهية... و هذه الروحنة لا تلغي الطبيعة أو تحطمها بل على العكس تماما فهي تكمل الطبيعة وتتوجها في حركة تخط وتصاعد و تكامل وهذا التخطي يستلزم بالضرورة ألم الانسلاخ عن الأدنى والدون. كما أن كل ولادة في الكون يسبقها ألم ومخاض وجهد وهذا التطور- في إطار الروح- هو تطور في الداخل باتجاه الداخل والباطن نحو الأعماق، لأن ملكوت السماء في داخلنا وليس هنا وهنالك، والمسيح أتى لتكون لنا الحياة ولتكون لنا الحياة أفضل وأوفر"... فالروحانية المسيحية لا تحطم الطبيعة بل على العكس تماما تكملها تتوجها تفتح جميع إمكانياتها وتجسّد جميع طاقاتها وقواها...

 

والصليب في مفهومه الحقيقي الداخلي الروحي هو هذا الانسلاخ عن الدون والأدنى وهو هذا التخطي بالذات باتجاه الداخل والباطن والأعماق.

 

وسنّة الصليب هذه- المتواجدة أصلا في كل ارتقاء كوني وروحي- هي التي تجسدت في المسيح الفادي وبلغت به الذروة، وهي التي تحل في أصفيائه وتابعيه القديسين على مدى الدهور إلى أن يبلغ الإنسان مستوى الروح الكامل "وملء قامة المسيح"... هذا هو المعنى الكوني والإنساني والروحي لحياة هؤلاء العابدين القديسين ومنهم مار مارون وتلاميذه...

 

ومن دوافع هذه الحياة الخارقة أيضا عند مارون وتلاميذه ردة الفعل من جهة النفوس المتشعبة من الإنجيل ضد الفساد الوثني الذي كان مستشريا آنذاك، ومن الصعب أن نتصور اليوم إلى أية درجة من الانحطاط والانحلال والفساد كان قد وصل المجتمع الوثني لدى ظهور المسيحية وفي القرون المسيحية الأولى.

 

فليس من المستغرب أن يحدث الإنجيل ومثل المسيح والمثل المسيحية العليا ردة فعل قوية لدى الكثيرين ضد فساد المجتمع الوثني ولا يغرب عن بالنا أبداً أن قسما من الشعب في هذه البلاد ظل يدين بالوثنية حتى آخر الجيل الخامس.

 

بالإضافة إلى ذلك كله وكما يتضح جليا من مواعظ آباء الكنيسة الشرقيين الأولين أنفسهم- ومنهم يوحنا فم الذهب بالذات- وكما يتضح من التواريخ والنصوص فإن المسيحين انفسهم كانت تشوب حياتهم رواسب وآثار من الوثنية إذ لم يكونوا بعد قد تملصوا نهائيا من بعض العادات والانحرافات الوثنية...

 

في ذلك العهد المخضرم بين الوثنية والمسيحية كان سلوك البعض من المسيحيين تشوبه روح الوثنية كل ذلك حمل الكثيرين من ذوي النفوس النقية على ردع إخوانهم بالمثل و التكفير. فجعلوا من حياتهم ذبيحة تكفير عن شرور المسيحيين الضعفاء في مسيحيتهم واختاروا نوعا من الحياة الصعبة من شانه أن يحدث أعمق التأثير في النفوس ويردعها عن الشر ويبعثها على التطلع إلى آفاق جديدة طاهرة وسامية...

 

- ولماذا الاندهاش والعجب ولماذا الشك في جدوى هكذا حياة، الم يرجع المجتمع المسيحي اليوم أو يكاد إلى نوع من الوثنية الجديدة وثنية النجاح والمظهر وثنية المادة والمال ألم يفتر كثيراً ولعدة عوامل الزخم القوي الذي شحن به المسيح الطاقة البشرية بإنجليه وأسراره بنعمه ومثله العليا وفدائه وبدأ يستشري نوع من الانحلال الروحي والانحطاط الأخلاقي؟ ولن تصطلح الامور ما لم يستثر هذا الزخم القوي عينه من جديد، بإستلهام المسيح وإنجيله وفعله في البشرية على مدى الازمان لتوليد مثل عليا تتكيّف مع العصر وتنهض بالهمم من جديد وترتفع بالبشرية، في ثورة جديدة نحو آفاق روحية سامية.

 

2- خصائص وميزات مدرسة مارون- والروحانية المارونية
كات للمدرسة الروحية التي انشأها مارون دور بارز بالنسبة لغيرها من الطرق الروحية في المشرق. وذلك لأسباب عديدة ومتنوعة، اليكم اهمها، بإختصار:


- أولا- التقدم في الزمن بالنسبة الى الكثير من الطرق الروحية التي ظهرت بعدها في المشرق. لم يكن مارون اول من مارس الحياة النسكية في هذه البلاد، كلا، فقد سبقه يعقوب النصيبيني ومار افرام ويولنايوس وغيرهم... ولكنه يعتبر ابو الحياة الروحية- الرهبانية النسكية- في شمال سوريا وبلاد قوروش، وفي لبنان فيما بعد...

 

- ثانيا- لقد نعمت هذه الطريقة منذ البدء بإنتشار جغرافي واسع وبعدد كبير من التلاميذ انتشروا من كورش وجبل سمعان- بين حلب وانطاكيا- حتى لبنان، مرورا بأواسط سوريا، وضفاف العاصي خاصة... وبعد ان وصف المؤرخ تيودوريطس حياة مارون وتلاميذه من نساك في العراء ختم كلامه بقوله: "ان الله قائد هذا الجيش السماوي له في السهول والجبال، في الهضاب والوديان العدد الكبير من هؤلاء الجنود الشجعان المناضلين في خدمته، مما يجعل من الصعب جدا سرد حياتهم وحتى تعداد اسمائهم جميعا..."
وشمل انتشار هذه الطريقة لبنان بواسطة ابراهيم الناسك القورشي وتلاميذة مار مارون، وتلامذة مار سمعان العامودي، كما جاء في حياة هؤلاء القديسين. وشمل ايضا ناحية حلب. كما يتضح من حياة القديستين كورا ومارانا... وناحية بلاد العلويين كما يتضح من حياة القديس طلالاوس... وجبل الأمانوس في جنوبي- غربي تركيا حيث عاش سمعان العامودي الثاني وتلاميذه...


هكذا كان تلامذة مار مارون والرهبان المتأثرون بمثله وطريقته ونفوذه يؤلفون شبكة من المناسك والصوامع والأديار واسعة الإنتشار، تستقطب الجماهير الغفيرة في كل بقعة من هذه البقاع المشرقية، وخاصة في الأرياف والمناطق الجبلية...

 

- ثالثا- اتصفت هذه الطريقة- طريقة مارون الروحية- بالجمع بين النسك والعمل، بين التأمل الروحي واعمال الرسالة بين العبادة والنشاط الإجتماعي. وقد ركزوا على اعمال الرحمة نحو القريب فأنشأوا المآوي للفقراء والمرضى وأصحاب العاهات الجسدية على أنواعها ناهيك بالنشاط التبشيري الرسولي تجاه الوثنيين الذي دأب عليه مار مارون وتلاميذه في سوريا ثم تلاميذ مارون وتلاميذ سمعان العمودي فيما بعد في لبنان...


- رابعا- يعترف العلماء الاختصاصيون في تاريخ الطرق الرهبانية وعلى رأسهم العلامة الأب فاستوجير الراهب الدومنيكاني بأن طريقة مارون في العبادة والنسك أي الحياة في العراء هي أقسى طرق النسك على الإطلاق وأرفع قمة في القداسة والصعود نحو الكمال يقول فاستوجيير:


"في حياة العراء يبغي العابد خاصة ملاشاة جسده أو على الأقل جعله لا يعبأ بالبرد والمطر و الثلج و لهيب الشمس... هذه الطريقة يتابع المؤرخ هي الأكثر كمالا فيعقوب ابتدأ حياته النسكية ضمن صومعة قبل أن يقتحم جهاد الحياة في العراء وكذلك بارادات وغيره ..."
وطريقة النساك العموديين القائمة بالحياة فوق عامود هي شكل من طريقة مار مارون أي الحياة في العراء ومن ثم مار سمعان العمودي الأول والثاني وكل النساك العموديين هم تلامذة مدرسة مار مارون و للقديس سمعان العمودي أثر كبير وعميق في التاريخ الماروني والروحانية المارونية وقد دخلت روحانيته كعنصر جوهري في البنيان الروحي الماروني ويعتبر العلامة فاستوجيير وغيره مار مارون مؤسس طريقة الحياة في العراء التي تشمل مدرستها النساك العموديين وهذه المدرسة أرفع قمة في القداسة والنسك. وكأنني بالروح الجبلية- التي هي ميزة العبادة الشرقية العريقة في القدم- قد طبعت الروحانية المارونية بطابع خاص هي ما أسميها "بالروحانية الجبلية" التي عرفت ذروة تجليها فيما بعد في جبل لبنان- جبل القداسة عبر العصور من الإله إيل- الذي هو أول صورة للإله الواحد الحقيقي إلى اليوم: إلى شربل بالذات. وكلمة شربل بالآرامية مؤلفة من لفظتين شر و بيل: وشر معناها حق وبيل هو إيل بالذات: فيكون معنى اسم شربل: حق إيل حق الإله.

 

- خامساً- كان لتلامذة مار مارون وخاصة يعقوب القورشي وسمعان العمودي وبارادات نفوذ ووزن عظيمان في تسيير أمور الكنيسة إذ كانت السلطات الكنسية والمدنية تلتجىء إليهم وتعتمد عليهم في حل المعضلات الكبرى وتسعى لاكتساب تأييدهم وذلك لقداستهم ورجحان أرائهم وتجردهم عن المصالح الشخصية والخاصة وترفعهم وتأثيرهم البالغ على الجماهير والشعب المسيحي وعلى سبيل المثال فإن البطريرك الانطاكي فلافيانوس زار بذاته مع وفد من أعظم أحبار زمانه القديس مرقيانوس القورشي في منسكه النائي لطلب تأييده في إحدى أزمات الانقسام الكنسي الانطاكي وكما أن الروح توحد الجسد وأعضاءه فإن تلامذة مارون كانوا بمثابة الرباط الروحي الموحد للكنيسة والجماعات والشعب كافة...


وبكلمة إن العناصر المميزة والخواص التي اتصفت بها طريقة مار مارون هي التالية: التقدم في الزمن سعة الانتشار الجغرافي كثرة عدد التلامذة والتابعين اشتمالها على النسك والعمل الرسولي والاجتماعي معاً النفوذ في تسيير امور الكنيسة والرباط الروحي الموحد في الشعب إلى جانب كونها أرفع قمة في القداسة والنسك لأنها أقسى الطرائق النسكية كل هذه العناصر جعلت من الطريقة النسكية التي اختطها مار مارون المدرسة الكبرى في سوريا و لبنان وأدت إلى تجمع بقية الطرق حولها فكونت تيارا رهبانيا وشعبيا قويا خاصة وإن معظم الرهبان الموارنة كانت لغتهم السريانية لغة الأكثرية الساحقة من الشعب (في الأرياف) وفي هذا الإطار يمكن أن نضيف ميزة أخيرة اتصلت بها الروحانية المارونية منذ ولادتها إلى اليوم وهذه الميزة هي انبثاث وتوغل وتجسد الروحانية في حياة الشعب الماروني وتصرفاته وأعماله وفي حياته اليومية بكل دقائقها وتفاصيلها فلنتذكر الحياة اليومية لأمهاتنا وجداتنا...


إنها ميزة التجسد الروحاني الماروني في حياة الشعب إنها روحانية شعبية هي والحق يقال ميزة مارونية صرف...


دور مدرسة مار مارون وأثرها


إن الدور البارز والأثر العميق لهذه المدرسة كان في تجلي حياة القداسة في المشرق وفي الكنيسة الأنطاكية بنوع خاص وكان لأتباعها الدور الأكبر في تصفية الوثنية في سوريا ولبنان و تأسيس المجتمع المسيحي وقلب ميزان القوى في الكنيسة الأنطاكية لصالح الأكثرية الساحقة من الشعب السرياني الآرامي إذ أن المارونية هي فرع مميز من الدوحة السريانية الآرامية المشرقية وهي الوريثة الحقة لكنيسة أنطاكيا كنيسة بطرس قبل انتقاله إلى روما...

 

أما دور هذه المدرسة الفكري والثقافي والحضاري والعمراني فيتطلب مجلدات وهو خارج عن الإطار المباشر لحديثنا هذا غير أننا نكتفي بالتلميح فقط إلى ما يتعلق بالفنون الكنسية كالهندسة والرسم والموسيقى والألحان واللبس البيعي وغير ذلك من الأمور الطقسية.

 

ومثلما أن مار مارون أدخل في الحياة الرهبانية المشرقية نمطا جديدا وهو الحياة في العراء هكذا رهبانه و تلاميذه وأتباعهم لعبوا دورا رئيسيا في إدخال الفن الهندسي الزخرفي المعماري الآرامي في بناء الكنائس السورية واللبنانية وقد تأثر هذا الفن بالمنابع الآرامية والشرقية القديمة وبلغ ذروته في كنيسة قلعة مار سمعان وكنيسة الثالوث الأقدس في قلب لوزه وكنائس المهندس الكاهن مرقيانوس كيريس الماروني في بابسقا ودار قيتا و كسجبي ودير البنات وغير ذلك من المباني الكنسية والمدنية وكل هذه المآثر باقية إلى اليوم في شمالي سوريا ولو بشكل مندثر ورافقت ظهور مار مارون نهضة حضارية عمرانية فشيّدت الكنائس العديدة الرائعة الجمال على نمط يجمع بين العناصر الكلاسيكية والخصائص الآرامية السريانية المحلية في مركب فني يعتبر قمة في تاريخ الفن المسيحي الشرقي...

 

إنها الروحانية المارونية- في مداها الأرضي- تجسدت أولا في البشر ثم تجسدت في الحجر...

 

وإن أهمل ذلك أولئك... وسكت هؤلاء... نطقت الحجارة!


غير أن الروحانية المارونية في مداها الأرضي لم تترسخ وتتكرس وتتكامل نهائيا إلا في جبال لبنان فبين البيئة الطبيعية وروحانية شعب ما صلة وثيقة كما بين الجسد والروح في الشخص الواحد ولا شك أن الجمال اللبناني له تأثير قوي في تكوين النفسية المارونية فلبنان الشامخ الأشم منبع إلهام للعنفوان الماروني وإبائه وسمو مثله وحريته وطموحه. ونقاوة الثلوج اللبنانية وصفاء ينابيع لبنان من ملهمات طهارة النفس المارونية وصلابة الروح المارونية وما تتحلى به من عزيمة في الملمات وشدة مراس وقوة شكيمة وصمود في الصبر ودأب على العمل وجهد لا يعرف الملل إنما هي انعكاس لما في الصخور اللبنانية من متانة و قوة وصلابة. ومنذ أقدم الأزمان كان البحر الفسيح حافزا للمغامرة الوثابة لدى الموارنة وأجدادهم وركوب الأخطار والانطلاق إلى ما وراء الآفاق الرحيبة والبعيدة وولوج المجهول وترويض المستحيل إنه الانفتاح إنه الطموح إنه تحدي الطبيعة والإنسان.

 

أجل بين لبنان والموارنة سرّ قديم لم تتوضح معالمه النهائية بعد كان هناك زواجا سريّا سرمديا بين الروح المارونية وجبال لبنان وكأن جبال لبنان أسمى قمم في المشرق وقد أعدت خصيصا كجسد كبير مقدس تهيأ منذ الأزل لاستقبال أقدس روح في المشرق: الروح المارونية...


الخاتمة
وفي الختام وفي حديثنا عن "المارونية في جذورها وابعادها الروحية". تحدثنا باختصار عن جذور هذه المارونية الروحية: عن جذورها البعيدة أي الكنعانية الآمورية والآرامية السريانية، عن جذورها القريبة أي المسيحية الأنطاكية الخلقيدونية. ثم ألمحنا إلى حياة مار مارون المؤسس والشفيع والأب إلى ديره الكبير وتلامذته ومدرسته النسكية الرهبانية. وقد ركزنا على بواعث ودوافع هذه المدرسة على خصائصها ودورها وتأثيرها.

 

إنها "المارونية في جذورها وأبعادها الروحية"...

 

إنها ظاهرة مشرقية منفتحة مميزة ورائدة غاصت جذورها في الأرض والتراب والتراث فروحنتها ومسحنتها وامتدت فروعها أفقيا في جغرافيا الإنسان والمجتمع فأورقت فكرا وعمرانا وحضارة وارتفع رأسها في سماء الروح فأثمرت ولمّا تزل نورانية وروحانية وقداسة... ظاهرة وجدت لتبقى، ولدت لتستمر، ذلك لأنها حوت منذ البدء في مكنونات داخلهاـ عناصر ومقومات البقاء والاستمرار. لقد بقيت واستمرت. وسوف تبقى وتستمر، رغم تقلبات وأزمات الأزمنة التاريخية لأنها أصلا وتحديدا فعل تحد للزمن والتاريخ. وكلمتي الأخيرة صرخة جبلية في وجه الزمن والتاريخ و في آذانكم أيها الشباب الموارنة، عودوا إلى الينابيع، عودوا إلى الأصول من خلال تطور الإنسان المعاصر، إنسان اليوم، واكتشفوا ذواتكم بالروح والحق، إنكم أروع ظاهرة روحية بزغت من قلب شمس الشرق: "إنكم موارنة"...

 

الأب يوسف يمين
بيت الكهنة – زغرتا
في 7 شباط 1986

المجموعة: في التاريخ والأركيولوجيا

من مؤلفات إيلبنانيون

المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

bethdesign102 

الكاتب: الأب الدكتور يوسف يمين

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ

كلمة سعيد عقل في جامعة اللويزة

 5 نيسان 2000

أبتي الرئيس، صديقي الأب يمّين، خَلِيني إثني كلمة الأستاذ مطر، إنو الجامعة هَوْن بْتِسْمَعْ كلْ الناس وبتريد كل واحد يعطي رأيو حتى هوي يحترملنا رأينا...

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب للأب يمّين ينفض كل الموروثات

الديار في 3- 12- 1999

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب جديد للأب الدكتور يوسف يمّين الإهدني ينقض كل المَوروثات والمعتقدات الدينية السائدة...

دعوة إلى تنقية المسيحية المشرقية

ميشال سبع- جريدة المستقبل

في القسم الأول من الكتاب حاول الأب يمّين كشف أن بيت لحم هي لبنانية وليست في اليهودية واسمها القديم أفراته وهي مدينة كنعانية تحدثت عنها رسائل تل العمارنة...

جائزة سعيد عقل إلى الأب يمّين

الأنوار– الاثنين 20- 3- 2000

منح الشاعر سعيد عقل جائزته الأسبوعية التاسعة للأب العلامة يوسف يمّين على كتابه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

"المسيح ولبنان

ملحق الديار "أوريزون"- الأحد 19- 12- 1999

في حوار مع السيدة "مي المر"، سؤال: "ثمة كتاب صدر مؤخرا أيضا يحاول أن يثبت بأن المسيح هو لبناني؟...

أهم ما كتب عن لبنان إطلاقا

سعيد عقل- السفير 28- 4- 200

أخذت مراكز العلم تتناول بإهتمام كتاب العلامة الأب يوسف يمّين "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

كتب إيلبنانيون

أبحاث إيلبنانيون

في اللإيزوتيريك

   - طاولة الزمرد

أركيولوجيا غير إعتيادية

   - سلسلة مباني عملاقة

   - نظرية التطور- بين الحقيقة والخيال-

في التاريخ والأركيولوجيا

   - البحث عن اسرائيل الكنعانية