• lebanon_broken_columns_baalbeck.jpg
  • Pyramide_Kheops.jpg
  • sphinx-pyramid-cheops.jpg
  • pyramid-10.jpg
  • image_pyramid001.jpg
  • bacchus-cc-moogdroog.jpg
  • big.jpg
  • baalbeckstone.jpg
  • baalbeck_day_01.jpg

مدخل لفهم إنجيل مريم المجدلية
مقدمة كتاب إنجيل مريم


جان إيڤ لولو 
كثيرة هي الأناجيل ، المعتمدة من قبل المؤرخين، والتي درست بدايات المسيحية. وأهم تلك الأناجيل وأشهرها قطعًا هي أناجيل متّى ومرقص ولوقا ويوحنا لأنها الوحيدة المعتمدة من قبل معظم الكنائس، لنقلِ أصداء، وتفسير أحداث وتعاليم، أتت من الجليل واليهودية قبل ما يقارب العشرين قرنًا.


لكن إلى جانب أناجيل متّى ومرقص ولوقا ويوحنا، التي تدعى بالقانونية، أصبح بوسعنا اليوم التمعن في الأناجيل "المنحولة" لبطرس وبارتالوميوس، وخاصةً، في إنجيل توما الذي بُشّر به في الهند، توما الذي يقال أن مثواه الأخير ما زال موجودًا هناك في مدينة مدراس. وقد أضحى ثابتًا اليوم أن بعض فقرات هذا الإنجيل قد استخدمت لاحقًا من أجل صياغة الأناجيل القانونية[1].


وأيضًا إلى جانب هذه الأناجيل، التي أضحت معروفة جدًا، هناك إنجيل يبدو وكأنه لم يحز على الاهتمام الكافي من قبل الاختصاصيين، فهو ما زال غير معروف من قبل أوساط واسعة، إنه الإنجيل الذي ينسب إلى مريم المجدلية التي كانت أول من شاهد المسيح بعيد قيامته أي قطعًا قبل بولس الرسول الذي يعتبر المؤسس الفعلي للمسيحية، والذي شاهده على مشارف دمشق.

لأنه معروف، واستنادًا إلى النصوص التي كتبها الرسل، أن الناصري لم يؤسس أي دين خلال حياته الأرضية القصيرة كما ولم ينشئ أية مؤسسة أرضية، إنما كان فقط "المبشّر" و"الشاهد" الذي ذهب البعض بعدئذٍ إلى اعتباره "التجسد" الممكن للروح في قلب زمكاننا، والتجلي اللامتناهي للألوهة في قلب نهائياتنا ...

وإنجيل مريم، الذي نتناوله ههنا، هو النص الأول لما عرف بمخطوط برلين[2] والذي جلبه من القاهرة البروفيسور ك. راينهاردت وتم حفظه، منذ العام 1896، في قسم المصريات العائد لمتاحف برلين الوطنية، أما مصدره فقد يكون بلدة أشمين المصرية أو ضواحيها، فقد جاء من هناك وتمت إعادة نسخه حسب ك. شميدت في أوائل القرن الخامس للميلاد، كما قام و. س. تيل، الذي تابع أعمال شميدت، بتوصيف أولي لهذا المخطوط، وهو توصيف صححه واستكمله من بعده هـ. مـ. شينكه.
وفق كتابة من خطَّ هذا النص في ذلك الزمان هناك ما بين الـ 21 إلى 23 سطرًا في كل صفحة، وكل سطر يتضمن ما بين الـ 22 أو 23 كلمة، كما أنه تنقص هذا المخطوط عدة صفحات هي الصفحات من 1 إلى 6، ومن 11 إلى 14، مما زاد من مصاعب ترجمته وشرحه.

أمّا فيما يتعلق بتاريخ النص الأصلي فإنه من الملفت للانتباه بهذا الخصوص وجود مخطوط يتضمن مقاطع من إنجيل مريم كتبت باللغة اليونانية، وقد تمت مطابقتها مع الأصل القبطي من قبل البروفيسور كارل شميدت، وهو المخطوط الذي عرف بمخطوط رايلاندز، ويعود تاريخه إلى القرن الثالث للميلاد. ما يعني أنه تمت كتابة إنجيل المجدلية، للمرة الأولى، قبل ذلك بفترة، في حوالي القرن الثاني للميلاد، أي حوالي العام 150 ميلادية حسب و. س. تيل مما جعله، إلى جانب باقي الأناجيل، أحد النصوص الأولى والمؤسسة للمسيحية.

لكن، إن كانت تلك هي الحال، فما هي يا ترى أسباب ذلك الانزعاج وتلك التحفظات التي ما زلنا نشعر بها إلى اليوم حين نقرأ هذا الإنجيل؟ وهي أسباب ما زالت إلى يومنا هذا نفس تلك المنبثقة من نصّه، تلك التحفظات التي أبداها كلٌّ من بطرس وأندراوس بعيد استماعهما إلى ما نقلته مريم المجدلية على لسان المعلم حيث جاء:

9 عندئذٍ تكلم أندراوس وتوجه إلى إخوته:
10 "حدثوني، ما رأيكم بما قالته لنا؟
11 أنا من جهتي، لا أصدق
12 أن المعلم تحدث هكذا؛
13 هكذا أفكار تخالف التي عرفناها."
14 وأضاف بطرس:
15 "هل يعقل أن يكون المعلم قد تحدث
16 هكذا، مع امرأة،
17 عن أسرار، نحن نجهلها؟
18 هل يتوجب علينا تغيير عاداتنا؛
19 والاستماع إلى هذه المرأة؟
20 هل انتقاها حقًا وفضلها علينا؟[3]"

ونقول هنا بهذا الخصوص أن ما يجعل من الصعب تقبّل هذا الإنجيل هو بالضبط ما يعطيه أهميته، لأنه إنجيل، إن لم نقل أنه كتب من قبل امرأة، فقد كان مستوحاة من امرأة كانت تدعى مريم المجدلية؛ وهذه لم تكن فقط تلك "الخاطئة" التي خلّصها المعلم وتحدثت عنها الأناجيل القانونية، ولا تلك التي تحدثت عنها بعض المنقولات الحديثة التي خلطت بين خطاياها المفترضة وبين ما اعتبرته اضطرابًا لقواها الحيّة والجنسية؛ إنما أيضًا وخاصةً هي تلك التي كانت الرفيقة المميزة ليشوع، تلك التي تتلمذت على يده ونقلت أكثر تعاليمه سرّانيةً.

فصعوبة تقبّل إنجيل مريم مرده طبيعة ما تضمنه هذا الإنجيل من تعاليم منسوبة إلى يشوع، ومن تلك الأنتروبولوجيا والميتافيزياء التي تفترضها: لأنها ليست تلك المكونات ولا تلك الأنتروبولوجيا الثنائية والميتافيزئية لذلك الكائن والتي اعتدنا فهمها، إنما هي أنتروبولوجيا وميتافيزياء تصوّرٍ ما زالت أكثر النفوس تحررًا في أيامنا في بدايات طريقها إلى اكتشافه.



مريم المجدلية 
هكذا إذًا، وإلى جانب أناجيل كتبت من قبل (و/أو نسبت إلى) ذكور، هناك إنجيل نسب إلى امرأة. وهذه المرأة التي تدعى مريم المجدلية، وكما جاء في باقي الأناجيل، كانت أول من ظهر له يشوع القائم من بين الأموات[4]. لذلك، نادرة هي المخطوطات المسيحية من القرون الأولى التي لم تتعرض بشكل أو بآخر لتلك الشخصية التي عظِّمت أحيانًا و/أو قلل من شأنها أحيانًا أخرى.

وأيضًا، للمزيد من التوضيح، نشير إلى أنه، إلى جانب إنجيلنا هذا، يحتوي مخطوط برلين على مخطوطين آخرين يحملان اسم مريم المجدلية. الأول يدعى تساؤلات مريم الذي نوه إليه إيبيفانيوس[5]، والثاني عنوانه ولادة مريم الذي أورد إيبيفانيوس[6] مقطعًا منه في كتابه. ونتوقف هنا قليلاً لأن أول هذين المخطوطين، أي تساؤلات مريم، والذي يظهر الأهمية الكاملة للمجدلية؛ قد استخدم بعدئذٍ كنموذج من قبل كاتب لاحق، وضع انطلاقًا منه تساؤلات أخرى نسبت إلى المجدلية، وهذه التساؤلات كانت ذات منحى مثنوي وصوفي واضح، مما أدى إلى التقليل من دور هذه الأخيرة. وفي الوقت الذي لم تعرف تساؤلات مريم إلاّ عن طريق إيبيفانيويس، فإن الكتاب اللاحق، ذو المنحى المثنوي والصوفي، قد طوِّر وجمع في مخطوط ضخم توجد نسخة منه في المكتبة البريطانية، ألا وهو الملحق 5114، المعروف، منذ القرن السابع عشر، تحت عنوان الـ Pistis-Sophia.

وحسب ميشيل تارديو، الذي نشر مخطوط برلين بالفرنسية، فإن ما سعى إليه مؤلف (أو مؤلفو) إنجيل مريم إنما كان تحديدُ موقفٍ من تلك المرأة التي ورد ذكرها في الأناجيل القانونية. فالكل يعترف بأنها كانت إحدى النساء اللواتي تبعن يشوع خلال كامل مساره، والكل يعترف بأنها شهدت موته على الصليب، وأنها، حسب إنجيل مرقص، كانت أول من شاهده بعيد قيامته[7]. مما أعطاها المرتبة الأولى بين النساء اللواتي تبعن المخلِّص. لكن، من جهة أخرى، فإن ما تورده أناجيل مرقص ولوقا حولها هو أن يشوع كان قد سبق وطرد منها سبع شياطين مما جعلها تلك الشخصية الإشكالية التي، إن كانت خاطئة في البداية، فقد أضحت بعدئذٍ رفيقة المعلم وأول من شاهده بعيد قيامته. لكنها كانت أيضاً، وكما هو واضح من الإنجيل الذي يحمل اسمها، تلك التي ساررها يشوع بأقوال وتعاليم لم يسارر بها الآخرين، مما جعل البعض يعتقد بأنها كانت زوجته.
لكن هذا ليس بالمؤكد وإنما المؤكد الذي لا يقبل النقاش، وكما جاء في الإنجيل القانوني ليوحنا، هو "أن المعلم قد أحبها"[8]، كما أحب مارثا أختها وأليعازر شقيقها، وكما أحب أيضًا كل من تبعه من نساء ورجال، ومن بينهم، يهوذا.

لأن يشوع لم يحب يوحنا أو بطرس "أكثر" مما أحبَّ يهوذا، إنما أحبهما بشكل مختلف. فقد كان حبه الكوني الذي لا يقاس يشمل الجميع. لكنه أيضًا، أحب كل منهم بشكل خاص. وعن هذا الجانب الخاص لحبه لمريم أكّد الإنجيل المنحول لفيليبوس بوضوح قد يوحي بأنها كانت زوجته حيث جاء:
لقد أحبّ المعلّم مريم أكثر من كل رسله. وغالبًا ما كان يقبِّلها من فمها. وقد شاهد باقي الرسل حبّه لمريم، وقالوا له: لماذا تحبّها أكثر منّا؟ فأجابهم المخلِّص قائلاً: لماذا يا ترى، لا أحبكم بمقدار ما أحبها؟[9]

وهذه الأسطر قد تصدم للوهلة الأولى أولئك الذين لم يطلعوا بشكلٍ كافٍ على كل النصوص المؤسِسة للمسيحية. لكننا نعود ونكرر، مرةً أخرى بهذا الخصوص، أن ما نبتغيه ليس الدخول في جدل عقيم حول ما إذا كان يشوع متزوجًا أم لا، فالبعض الذي يؤكد بأن هذا كان إلزاميًا إنما يستند إلى منطق يقول بأن يشوع كان رابيًا (أي كاهنًا) يبشر في الكنس وفي دور العبادة، وأنه، وفق العرف اليهودي، لم يكن بوسعه أن يكون عازبًا. بينما يؤكد البعض الآخر الذي يرفض هذه المقولة على عمق علاقته بابن عمته يوحنا "المعمدان" الذي كان يسينيًا، واليسينيون، وفق مخطوطات البحر الميت[10]، كانوا يرفضون "النساء والخطأة والمقعدين". لكن ما بوسعنا أن نؤكده، إن تقيدنا فقط بالأناجيل القانونية، هو أن المعلم كان يحب "النساء والخطأة والمقعدين"، وهذا ما عرّضه لانتقادات الفريسيين والصدّوقيين والغيارى واتباع جميع تلك النحل التي كانت منتشرة في زمانه.
ثم أن التساؤل لا يجب أن يكون هل كان يشوع متزوجًا أم لا (وكما نفهم ذلك اليوم) فهذا أمر لا يعنينا، إنما الذي يهمنا هو هل كان يشوع الإنسان بشرًا حقًا مع كل ما تفترضه هذه الإنسانية الأرضية من معنى؟ أي، وبدقة أكبر، هل كان يشوع إنسانًا بوسعه أن يعيش حياةًً جنسيةً طبيعيةً، وأن تكون له خصوصيته فيما يتعلق بعلاقته مع امرأة أحبها وفضلها على سواها؟

لأننا إن افترضنا أن يشوع، الذي هو المشيح، لا يتحمّل أية مسؤلية جنسية، فإن هذا يعني إدانة تلك المسؤولية التي لن ينالها الخلاص. وهذا ينفي كونه مخلِّصًا بكامل ما لهذه الكلمة من معنى. فمن هذا المنطلق، يمكن أن تتحول دعوته من دعوة إلى الحياة إلى دعوة للموت، لأن الحياة الجنسية المدانة يمكن أن تصبح خطرًا، ويمكن أن تحولنا بالتالي إلى مرضى. والعضو الذي تولد منه الحياة، والمتعلق مباشرة بخلقنا "على شاكلة الألوهة" يمكن أن يصبح، نتيجة لهذا المنطق المشوه، أداةً للموت.

وهذا هو، كأناجيل يوحنا وفيليبوس، أول ما يذكِّرنا به إنجيل مريم. هذا الواقع الذي يقول بأنه كانت ليشوع خصوصيته البشرية مع امرأة محددة، وهذه الخصوصية لم تكن جسديةً فقط إنما كانت أيضًا عاطفيةً وفكريةً وروحيةً. لأنه إن كان الخلاص هو الرجاء فإن الذي يجب أن يشمله هذا الخلاص، عن طريق الوعي والحب بكامل أبعادهما، هو الكائن الإنساني بكليته. لهذا فإن إنجيل مريم، حين يذكرنا بذلك البعد الواقعي وربما الجنسي لإنسانية يشوع، فإنه لا ينتقص شيئًا من واقعية بعده الروحي والإلهي.

ونتفكر بأن هذا البعد الإنساني هو تحديدًا ما ذكّرتنا به الأناجيل القانونية لمرقص ومتى ولوقا حين حدثتنا عن دموع المخلص وشكوكه حين كان يواجه الموت على الصليب: "ربي، ربّي، لماذا شبقتني؟"، "ربي ابعد عنّي هذا الكأس[11]"؛ إنه تذكير بإنسانية يشوع، لأنه من خلال هذه الإنسانية تجلّت الألوهة.

وأيضًا، فإن ما يدعونا إليه إنجيل مريم، مثله مثل باقي الأناجيل، هو أن نتحرر من تلك الثنائيات التي تشيطننا وتمزقنا. لأن القضية ليست البتة في إنكار الجسد أو المادة، إنما من خلال عدم التماهي بهما ورفض تملكهما لنا، تصعيدهما والارتقاء بهما. تمامًا كما فعلت مريم المجدلية التي سارت على خطى حبيبها فعلّمتنا عن طريق الخيال الخلاّق كيف ندخل الحب إلى حيث لا يكون، إلى تلك الأماكن التي تمنعنا عنه، و/أو تعيقه عنّا، رغباتنا وعقولنا.

فكما في قانا الجليل، إن أردنا تجسيد عرسها، يجب أن نتخيل كيف بوسعنا تحويل الجهالة المتبادلة، عن طريق فهم الكلمة غير المتوقعة، إلى محبةٍ تتجاوز شغف البدايات. حبٌّ يحوِّل الماء العادي لأيامنا العادية إلى خمر يسكرنا.



ليفهم من بوسعه ذلك
كلا، لم تكن مريم المجدلية مجرد امرأة، إنما كانت امرأةً تلقت المساررة ووصلت إلى المعرفة. من هذا المنطلق لم يكن غريبًا في زمن يشوع – وإلى يومنا هذا - أن ينظر إليها كخاطئة، فهي لم تتقيد بقوانين مجتمعٍ كانت المعرفة فيه شأنًا ذكوريًا لا علاقة له بالمرأة. فالمرأة في تلك الأيام، لم يكن من حقها دراسة خفايا التوراة والتساؤل حول معاني حروفها.

إذًا، كان من الطبيعي أن يكون خطابها مزعجًا بالنسبة لباقي الرسل: من تراها تحسب نفسها هذه المرأة؟ ألم يكفها أن المعلِّم أحبها، فأرادت تملّك تعاليمه والإيحاء بأنه ساررها. حين تراها تستعمل نفس الكلمات التي كان يتفوه بها أمام النفوس "غير المهيئة" و"العقول المحدودة"، ما جعلها تتخيل واقعًا لم تستوعب مضمونه. "فليفهم من بوسعه ذلك"؟
فليستمع من لديه أذنان
لأن الأهم من كلماتها المثيرة، التي ذكّرت الرسل بمحدودية إدراكهم، كانت شهادة إنجيلها بمنظومة معرفية أخرى تختلف عن تلك التي بوسع نفوسهم الذكورية إدراكها.
لأنها شهادة تمت من خلال رؤى معرفية نبوية الطابع. معرفةٌ ليست محصورةً بالنساء قطعًا وإن كانت تحمل ذلك البعد الأنثوي الملائكي أو "المشرقي" للمعرفة الإنسانية.
ونراها بهذا الخصوص تتسأل:

بماذا رأيته يا ترى؟ وأية أعين مكنتني من التمعن بذلك الذي قام من بين الأموات؟
ويأتيها جواب المعلم محددًا وواضحًا بأنه لا يمكن رؤية من قام من بين الأموات بأعين الجسد ولا بأعين النفس (وفق المعنى الدارج لتلك العبارة)، لأن هذه الرؤية ليست هلوسة ولا تخيل ناجم عن تحريض ذهني أو عقلي؛ إنما هي، حسب إنجيل مريم، تلك التي تمت عن طريق الذكاء. وهذا غالبًا ما ينساه العارفون، لأن الذكاء هو أدق ما في أرواحنا، ونحن نعبر عنه اليوم فنقول بأنه "ملاك الروح" الذي يمكننا من التواصل مع العالم الوسيط، ذلك العالم الذي ليس ملموسًا ولا مفهومًا، ذلك "المتخيَل" الذي عبر عنه بدقة هنري كوربان[12].

فمن خلاله بوسعنا أن نقول أن إنجيل مريم لا يضعنا أمام معضلة فكر ومدى، كما عبّر عنهما ديكارت، ولا أمام بنيان كوزمولوجي أو معرفي يحدّهما العالم العقلي للفهم المجرّد. فما بين هذين الإثنين هناك عالم وسيط هو عالم الصورة أو التمثُّل، عالم يضاهي وجوديًا بواقعيته عالم الأحاسيس والفكر؛ عالم يتطلب مقدرة تلمس خاصة ومعرفة ذات قيمة نبوية تضاهي بواقعيتها تلك التي تتلمسها الحواس ويتقبلها المنطق. إنها القدرة على الخيال التي لا يجب الخلط بينه وبين التخيل أو الوهم.

لذلك كان إرنست رينان مخطئًا دون شك حين قال بأن كل المسيحية ولدت من خيال امرأة، لأن المعنى الذي أعطاه رينان للخيال هو معناً إنتقاصياً يعيدنا إلى ذلك البعد الذي يشترطه فكره. فرينان كان يجهل، في الواقع، تلك الفئات المنبثقة من الخيال الخلاّق والتي صيغت بها النصوص القديمة والكتب المقدسة، لأنه لو كان الإله حيًّا لطلب التواصل حتمًا. من هنا تأتي الحاجة إلى وسيط بين الألوهة وبين البشر، بين المرئي واللامرئي، بين عالم الأجسام المادية وعالم الأرواح غير الملموسة. وفي هذا العالم الوسيط، الذي هو وليد الخيال والواقع معًا، كان لقاء المجدلية بذلك الّذي قام من بين الأموات. فلأجلها، كما للأنبياء القدامى، أحيا الله تلك الرؤى التخيلية الضرورية التي أتاحت لها التواصل معه. من هذا المنظور، بوسعنا أن نقول بأن المسيحية ولدت فعلاً من خيال امرأة حيث جاء:

12 "سيدي، أنا أراك اليوم
13 بهذا التجلي."
14 فأجاب:
15 " أيتها المباركة، يا من لا تضطربين لرؤيتي[13]."

وهذا يخرجنا من قلب ميتافيزيائية موضوع يواجه ميتافيزيائية ملموس. (حيث لا يوجد ملموس بلا موضوع يتفهمه ويتمثله، كما لا يوجد ملموس إلاّ ويعكس في الواقع موضوع بيئة تتمثله كشيء خارجي أو كشيء آخر). وترانا من هذا المنظور نواجه ميتافيزيائية انفتاح هو، في الحقيقة، مكان تلاق، و/أو تعارض، بين الموضوع وبين الملموس، إن أخذناهما كل على حدا. لأنه من هذا المنظور لا يعود الواقع موضوعيًا أو متخيلاً إنما يصبح "ثالثًا مشمولاً" يستوعبهما ويوحدهما.

ونجدنا أمام حقل لم يتطرق له الفلاسفة المعاصرون الذين ما زالوا يتأرجحون بين ميتافيزيائيات الكائن (هيدغر) وميتافيزئيات الغيرية (ليفيناس). لذلك ستكون إحدى مهام القرن القادم، حتمًا، التمعن في ذلك الفكر المنفتح أو الوسيط. عندها لن نبحث بما لم نتفكر به عند اليونان أو عند الساميين، وإنما سنبحث في تلك "الشميلة المشرقية" المرفوضة من كلا الجانبين. تلك التي شقّت طريقها عبر النصوص الأولى للمسيحية. ما يحقق تجدّد الفكر، عند مناهل كتابات العهد الجديد، من خلال إعادة الاعتبار إلى الخيال الخلاّق،
لأن ما ندعوه بالخيال الخلاّق ليس استعارةً ولا تخيلاً، إنما هو حقيقةٌ بكل ما للكلمة من معنى: لأن الخيال يَخلُق، وخليقته كونية بحد ذاتها. وكل واقع متخيل لأنه بوسعنا تخيله كواقع. والحديث عن عالم متخيل، لا يتعدى التأمل في ما ورائية الكائن حيث الموضوع والشيء يلدا معًا نتيجة الفعل الخلاّق لخيال متصاعد.[14]

لذلك، عوضًا من التحدث عن "العقل الخلاّق" دعونا من الآن فصاعدًا نتحدث عن "الخيال الخلاّق". حيث يتوجب على من يريد فهم طبيعة وأحداث هذا العالم أن يتعلم كيف يحلم قبل أن يتعلم كيف يفكر. لأن لغة الكتب المقدسة هي لغة صور ورموز مردُّها عالم الأحلام وليست المفاهيم العلمية. ويضيف كريستيان جامبة في كتابه منطق الشرقيين يقول:
الواقع هو الطبيعة التي تنظمها القوانين: هذا ما يقوله الخطاب العلمي، وهو صنيعة ما يفترضه من خيال. لهذا نحن نفهم جيدًا أنه من نفس المنظور يجب علينا مقاربة عالم الخيال. لأنها طريقة تسعى إلى إيجاد صلة، إلى إعطاء معنى للتفسير. لكن هذه الطريقة لا تستند إلى نفس مرتكزات الطريقة العلمية. حيث إن لم يدّعي أحدً بأن الكلّ قد قيل، لكنه من الواضح في المقابل أن الواحد قد عبّر عن نفسه مشترطًا بأنه ليس الكلّ. لأنه يستحيل للواحد أن يقال. ولأن ما يتجلى هو عجز الواقع على تلبية رغبة الواحد. وعالم الخيال هو عالم لا يعبّر عن الكلّ إنما عن تلك الرغبة. أي أنه، إن أردنا التعبير بشكل أدق، الإطار حيث الذي تتحول فيه الرغبة إلى خيال[15].

ونضيف أيضًا إلى ما سبق "التحول" و"القيامة".
لأن هذا التحقق هو تجسد الرغبة التي أرادت مريم المجدلية مشاركتنا إياها. وهذا الخيال الخلاّق هو بالتحديد ما سعى إنجيلها إلى إيقاظه فينا. وهذا كان من الطبيعي أن يقابل بتحفظات واعتراضات من تستند فلسفتهم إلى الحواس والمنطق فقط كبطرس وأندراوس.

والنتائج الأخلاقية لتلك الممارسة التي تستند إلى الرغبة والخيال واضحة وستصدم آخرين من أتباع يشوع: "لا توجد خطيئة" إنما نحن الذين بخيالنا المريض لا نكف عن اختراع القوانين التي ترسّخها. ما يعني بأن ما يجب علينا معالجته هو خيالنا، لأننا مسؤولين عن هذا العالم حيث نحيا، فنحن الذين نخلقه، وافتقادنا إلى "الخيال الخلاّق" هو ما يجعل عالمنا "عالمًا للموت" ويحصرنا وسط تلك الحدود التي تتوقف عندها القلوب والعقول.

ونلاحظ بأن هذا الخيال الخلاق، الذي عبّرت عنه مريم المجدلية في إنجيلها، هو المكان الذي يلتقي فيه الألوهي المتسامي بالمادي المحسوس، فالخيال هو التفاعل الإيجابي بين المرئي وغير المرئي، بين الروحي والمادي.

ومحرك هذا الخيال لا يمكن أن يكون، بالنسبة إلى مريم، إلاّ الرغبة وإلاّ الحبّ، فهي أحبت شخصًا عرفته في العالم الملموس، ورأت فيه تجلّياً للمحبوب الإلهي. لذلك نراها من خلال خيالها، تروحن هذا الكائن من خلال رفعه من شكله الملموس لتجعل منه صورةً لا تقبل التشويه.

لذلك، كباقي التلاميذ الذين ظهر لهم، تتفتح عيناها لترى واقعه الفعلي، ذلك النموذج البدئي الذي يخبرها ويملأ خيالها بوجود لا يعود بوسعها إضاعته أو تجنيه، فتخلق صورة ذلك المحبّ الحقيقي الذي سيرافقها دائمًا وينير طريقها باستمرار. وهذا (المحب الحقيقي) ليس وهمًا، ولا تصعيدًا، ولا تعويضًا وفق التفسير النفسي للكلمة؛ إنما هو استيقاظ يرى العالم الوسيط. إنها تجربة ومعرفة يقدم المشيح فيها نفسه كـ"أنموذج وشميلة" تحاول الروح التواصل معها:

لأن المعشوق الإلهي روح بلا جسد
والمعشوق المادي جسد بلا روح.
أما المعشوق الروحي فهو روح وجسد[16].
جان إيف لولو
ترجمه بتصرف: أكرم أنطاكي

* * *
[1] راجع إنجيل توما، معابر، باب المنقولات الروحية، الإصدار الرابع.
[2] Papyrus Berolinensis 8502 was acquired by a German scholar, Dr. Carl Reinhardt, in Cairo in 1896 (the codex is variably referenced in scholarly writings as the "Berlin Gnostic Codex", the "Akhmim Codex", PB 8502, and BG 8502). It contains Coptic editions of three very important Gnostic texts: the Apocryphon of John, the Sophia of Jesus Christ, and the Gospel of Mary. Despite the importance of the find, several misfortunes (including two world wars) delayed its publication until 1955. By then the Nag Hammadi collection had also been recovered, and two of the texts in the PB 8502 codex -- the Apocryphon of John, and the Sophia of Jesus Christ -- were also found included there. The PB 8502 versions of these two texts were used to augment translations of the Apocryphon of John and the Sophia of Jesus Christ as they now appear in the Nag Hammadi Library.

Importantly, the codex preserves the most complete surviving copy of the Gospel of Mary (as the text is named in the manuscript, though it is clear this named Mary is the person we call Mary of Magdala). Two other small fragments of the Gospel of Mary from separate Greek editions were later also unearthed in archaelogical excavations at Oxyrhynchus in Northern Egypt. (Fragments of the Gospel of Thomas were also found at this ancient library site, see the Gospel of Thomas page for more information about Oxyrhyncus.) Unfortunately, the extant manuscript of the Gospel of Mary is missing pages 1 to 6 and pages 11 to 14 -- pages that included sections of the‘ text up to chapter 4, and portions of chapter 5 to 8.

The complete extant text of the Gospel of Mary is presented below. For those interested in a print edition of the text, we highly recommend Karen King's new translation and commentary (listed in box on right). An introductory lecture on the The Gospel of Mary Magdalen is also available in our The Gnosis Archive Web Lectures collection.
[3] إنجيل مريم المجدلية، الأسطر من 9 إلى 20، ص 17.

[4] إنجيل يوحنا، 20 – 18.
[5] Voir Panarion, XXVI, 8, 1 et 2, traduction francaise dans Tel quel, 88, p. 70-71, avec commentaires p 85-86.

[6] Panarion XXVI, 12, 1-4, traduction, ibid, p. 75, avec commentarie p.88.
[7] إنجيل مرقص، 16 – 9.

[8] إنجيل يوحنا، 11 – 5 .

[9] إنجيل فيليبوس، 63 ، 36 – 64، 5.

[10] وهي مخطوطات وجدت في قمران ولا يجب خلطها مع مخطوطات نجع حماده.

[11] متى: 26، 39؛ مرقص: 14، 32-42؛ لوقا 22، 40-46.

[12] راجع كتاب هنري كوربان أجساد روحية وأرض سماوية.

[13] إنجيل مريم، الصفحة العاشرة.

[14] منطق الشرقيين، كريستيان جامبة.

[15] نفس المرجع، ص 45.
[16] محي الدين بن عربي.

إنجيل مريم المجدلية

(الصفحات من 1 إلى 6 غير متوفرة)

الصفحة السابعة

1 (...) "ما هي المادة؟
2 أتراها أزلية؟"
3 أجاب المعلم:
4 "إن كل ما هو مولود، وكل ما خلق،
5 وكل عناصر الطبيعة
6 متداخلة ومتحدة فيما بينها
7 كل ما هو مركب سيتفكك؛
8 ويعود كل شيء إلى جذوره؛
9 المادة ستعود إلى أصول المادة.
10 فليستمع كل من له أذنان."
11 قال له بطرس: "بما أنك تجعل من نفسك مفسِّرًا
12 لعناصر وأحداث هذا العالم، قل لنا:
13 ما هي الخطيئة في العالم؟"
14 قال المعلم:
15 "لا توجد خطيئة.
16 أنتم من يخلق الخطيئة
17 عندما تتصرفون وفقًا لعاداتكم
18 ولطبيعتكم الذاتية:
19 هنا تكمن الخطيئة.
20 لهذا أتى الخير ليسكن بينكم؛
21 لهذا ساهم في عناصر طبيعتكم
22 ليعيد ربطها بجذورها."
23 وتابع قائلاً:
24 "لهذا أنتم مرضى
25 لهذا تموتون:
26 كنتيجة لأفعالكم؛
27 لأنكم تفعلون ما يبعدكم...
28 فليفهم من بوسعه ذلك."

الصفحة الثامنة
1 "يولد التعلق بالمادة
2 شغفًا يتنافى مع الطبيعة.
3 عندئذٍ يتولد الاضطراب في أجسادكم
4 لهذا أقول لكم:
5 "كونوا على تناغم..."
6 وإن كنتم مضطربين،
7 استلهموا مما تقدمه لكم
8 طبيعتكم الحقيقية.
9 من له أذنان
10 ليسمع فليسمع."
11 وبعد أن قال هذا، (ألقى) سعادته
12 التحية عليهم قائلاً:
13 "السلام عليكم – ليحل سلامي
14 عليكم ويتحقق بكم!
15 إحرصوا على أن لا يضللكم أحد
16 حين يقول
17 ها هو ذا،
18 ها هو ذا.
19 لأن ابن الإنسان يقيم في داخلكم؛
20 فاتجهوا إليه:
21 فالذين يبحثون عنه سيجدوه
22 فإلى الأمام
23 لتبشروا بالمملكة."

الصفحة التاسعة
1 "لا تفرضوا أية قاعدة،
2 ما عدا تلك التي كنت شاهدًا عليها.
3 لا تضيفوا قوانين جديدة على تلك التي أعطاها خالق التوراة،
4 كي لا تصبحوا عبيدًا لها."
5 وبعد أن قال هذا غادرهم وذهب.
6 كان التلاميذ متألمين؛
7 وذرفوا الدموع قائلين:
8 "كيف بوسعنا التوجه إلى حيث الوثنيين والتبشير
9 بإنجيل مملكة ابن الإنسان؟
10 إنهم لم يرحموه،
11 فكيف سيرحموننا؟"
12 عندها وقفت مريم،
13 وقبّلتهم جميعًا ثم توجهت إلى أخوتها قائلةً:
14 "لا تدعوا الألم والشك يتملككم،
15 فنعمته سترافقكم وتحميكم:
16 فلنهلل بالأحرى لمجده،
17 لأنه هيأنا،
18 وهو يدعونا لكي نكون بشرًا بكل ما في الكلمة من معنى."
19 بهذه الكلمات، حولت مريم قلوبهم تجاه الخير.
20 فانفتحوا على كلمات المعلم.

الصفحة العاشرة
1 قال بطرس لمريم:
2 "نحن نعلم يا أختاه أن المعلم أحبك
3 خلافًا لباقي النساء.
4 لذلك أخبرينا الكلمات التي قالها لك،
5 تلك التي تتذكريها
6 تلك التي لا نعرفها..."
7 قالت لهم مريم:
8 "هذه هي الكلمات التي لم يتح لكم سماعها،
9 سأخبركم بها:
10 في رؤية ظهر لي المعلم
11 وقلت له:
12 "سيدي، أنا أراك اليوم
13 بهذا التجلي."
14 فأجاب:
15 "أيتها المباركة، يا من لا تضطربين لرؤيتي.
16 حيث يوجد القلب، يوجد الكنز."
17 عندئذٍ قلت له:
18 "يا سيدي، في هذه اللحظة، هل من يتأمل
19 رؤياك،
20 يراها من خلال روحه؟
21 أم من خلال نفسه؟"
22 أجاب المعلم:
23 "لا من خلال الروح ولا من من خلال النفس
24 إنما من خلال الذكاء الواقع بينهما،
25 فهو الذي يري وهو الذي (...)"

(الصفحات من 11 إلى 14 غير متوفرة)

الصفحة 15
1 "لم أشاهدك هابطة
2 لكنّي أراك الآن صاعدة"،
3 قالت الرغبة.
4 "لماذا تكذبين، وأنتِ جزء منّي؟"
5 أجابت الروح:
6 "أنا رأيتك،
7 أمّا أنتِ فلم تريني؛
8 ولم تتعرفي إليّ؛
9 لقد كنت معك كاللباس،
10 ولم تشعري بي."
11 وبعد أن قالت هذا،
12 غادرت يملؤها السرور.
13 ثم تقدم المناخ الثالث،
14 الذي كان يدعى الجهل؛
15 وهذا خاطب الروح سائلاً:
16 "إلى أين أنتِ ذاهبة؟
17 ألم يتسلّط عليك ميل سيء؟
18 نعم، لم يكن بوسعكِ التمييز، وكنتِ أسيرة."
19 عندها قالت الروح
20 "لماذا تحاكمني؟ أني لم أحاكم أحدًا.
21 لقد تسلّطوا علي، وأنا لم أتسلّط على أحد؛
22 لم يتعرّفوا عليّ،
23 أمّا أنا، فقد عرفت
24 أن كلّ ما هو مركّب سيتفكك
25 على هذه الأرضِ كما في السماء."

الصفحة 16
1 بعد أن تحررت من المناخ الثالث، تابعت الروح الصعود
2 فرأت المناخ الرابع
3 وكانت له سبع تجليات
4 التجلي الأول كان ظلمة؛
5 والثاني، رغبة؛
6 والثالث، جهالة؛
7 والرابع، غيرة قاتلة؛
8 والخامس، تسلط الجسد؛
9 والسادس، حكمة سكرى؛
10 والسابع، حكمة محتالة؛
11 تلك كانت التجليات السبعة للغضب
12 تلك التي أثقلت الروح بأسئلتها:
13 "من أين أتيت أيتها الفانية؟
14 إلى أين أنت ذاهبة أيتها المتشردة؟"
15 أجابت الروح:
16 "لقد حكم بالموت على من كان يضطهدني؛
17 وزال من كان يحاصرني؛
18 عندئذ هدأت رغبتي،
19 وتحررت من جهالتي."

الصفحة 17
1 "خرجت من العالم بفضل عالم آخر؛
2 وانمحى تصور
3 بفضل تصور آخر
4 فأصبحت أتجه نحو الراحة
5 إلى حيث يرتاح الزمان في قلب أزلية الزمان،
6 أنا ذاهبة إلى الصمت."
7 وبعد أن نطقت بهذه الكلمات، سكتت مريم.
8 هكذا كان المعلم يحدثها.
9 عندئذٍ تكلم أندراوس وتوجه إلى إخوته:
10 "حدثوني، ما رأيكم بما قالته لنا؟
11 أنا من جهتي، لا أصدق
12 أن المعلم تحدث هكذا؛
13 هذه الأفكار تخالف التي عرفناها."
14 وأضاف بطرس:
15 "هل يعقل أن يكون المعلم قد تحدث
16 هكذا، مع امرأة،
17 عن أسرار، نحن نجهلها؟
18 هل يتوجب علينا تغيير عاداتنا؛
19 والاستماع إلى هذه المرأة؟
20 هل انتقاها حقًا وفضلها علينا؟"

الصفحة 18
1 عندئذ بكت مريم.
2 وقالت لبطرس:
3 "ما الذي في رأسك، يا أخي بطرس؟
4 وهل تعتقد أنّي لوحدي، من مخيلتي،
5 أخترعت هذه الرؤيا،
6 أو أني أتفوه بأكاذيب عن معلمنا؟"
7 عندئذ تحدث لباوس فقال:
8 "لقد كنت دائمًا أحمقًا يا بطرس؛
9 وها أنذا أراك تتحامل على المرأة،
10 كما يفعل خصومنا.
11 ولكن، إن كان المعلّم قد جعلها جديرة،
12 فهل بوسعك أن ترفضها؟
13 من المؤكد أن المعلّم يعرفها جيدًا...
14 وقد أحبها أكثر منّا،
15 لذلك فليتملكنا الندم
16 ولنصبح ذلك الإنسان الحقيقي؛
17 ولندعه يتجذّر فينا
18 فنؤمن بما طلبه منّا.
19 وننطلق كي نبشر بالإنجيل
20 من دون أن نبحث عن قواعد وقوانين جديدة
21 ما عدا تلك التي كان شاهد عليها."
الصفحة 19
1 بمجرد أن تلفظ لباوس بهذه الكلمات،
2 انطلقوا ليبشروا بالإنجيل

الإنجيل حسب مريم – ترجمة: أكرم أنطاكي
---------------------

ترجمة أخرى لإنجيل مريم المجدلية
الإصحاح الرابع.
...فالمادة ستدمر أو لا؟
22 ) قال المخلص، كل الطبائع، كل التشكلات، كل المخلوقات توجد مع وفي بعضها البعض، وستتبدد مرة اخرى عائدة الى جذورها.
23) لأن طبيعة المادة تتبدد الى جذورها ولطبيعتها وحدها.
24) من لديه اذان ليسمع بها، فليسمع.
25) قال له بطرس: بما انك وضحت لنا كل شيء، فأخبرنا بهذا ايضا: ما هي خطيئة العالم؟
26) قال المخلص: ليس هناك خطيئة، لكن انتم من تصنعون الخطايا حين تعملون الاشياء التي لها طبيعة الزنى، التي تسمى خطيئة.
27) لهذا السبب جاء الخير الى وسطكم، الى جوهر كل طبيعة من اجل اعادتها الى الجذور.
28 ) ثم تابع وقال، لهذا السبب تصبحون مرضى وتموتون، لأنكم حرمتم من الواحد الذي يستطيع شفائكم.
29) من لديه العقل ليفهم، فليفهم.
30) المادة ولدت احساسا غير متكافئ، انبثق من شيئ ما مضاد للطبيعة، فتسببّ ذلك بإضطراب في كل الجسد.
31) لهذا السبب قلت لكم. كونوا شجعانا بقوة، وإذا احبطتم تشجعوا في حضرة اختلاف اشكال الطبيعة.
32) من لديه أذان يسمع بها، فليسمع.
33) حين قال المبارك هذا، حياهم جميعا قائلاً، ليكن السلام معكم، اقبلوا سلامي في نفوسكم.
34) احذروا ان يقودكم احد للضلال بقوله ها هنا وها هناك! لأن ابن الإنسان فيكم.
35) اتبعوه.
36) من يبحث عنه سيجده.
37) إذهبوا إذا وبشروا بانجيل الملكوت
38) لا تضعوا قوانين تتعدى ما وضعته لكم، ولا تعطوا قوانين كمشرعين القوانين، مخافة ان تتقيدون بها.
الإصحاح الخامس
1) لكنهم حزنوا. وبكوا بكاءا شديداً، قائلين كيف نذهب لغير اليهود ونبشر بانجيل الملكوت بابن الإنسان؟ فإن لم يحفظوه كيف سيحفظوننا؟
2) ثم وقفت مريم، وحيتهم جميعاً. وقالت لإخوتها، لا تبكوا ولا تحزنوا ولا تتحيروا، لأن نعمته ستكون معكم بالكامل وستحميكم.
3) لكن بالحري، دعونا نمجد عظمته، لأنه اعدنا وجعلنا للناس.
4) حين قالت مريم هذا. شعروا بالطمئنينة في قلوبهم، وبدأوا بمناقشة كلمات المخلص.
5) قال بطرس لمريم، اختاه نعلم ان المخلص احبك اكثر من أي امرأة اخرى.
6) قولي لنا كلمات المخلص التي تذكرينها وتعرفينها، ولم نسمعها من قبل.
7) اجابت مريم وقالت، ماهو مخفي عليكم سأطالب به من اجلكم.
8) وبدأت تقول لهم هذه الكلمات: انا، رأيت الرب في رؤيا وقلت له، يا رب لقد رؤيتك اليوم في رؤيا،فردّ قائلاً لي،
9) مباركة انت لأنك لم ترتعشي لرؤيتي. لأنه حيث يكون العقل يكون الكنز.
10) قلت له، يا رب، كيف يرى الريا من يراها، من خلال الروح ام من خلال النفس؟
11) اجب المخلص وقال، لا ترى من خلال الروح او النفس , ولكن العقل الذي بين الإثنان هو الذي يرى الرؤيا وهي […]
(الصفحات 11-14 مفقودة من المخطوطة)
الإصحاح الثامن
... هو.
10) والرغبة قالت، لم أرك تهبط، لكن الآن اراك تصعد. لماذا تكذب طالما انت ملكي؟
11) اجابت الروح وقالت. أنا رأيتك ولم تريني ولا تعرفتي علي. كنت كثوبك ولم تعرفيني.
12) حين قالت هذا، ذهبت ((الروح)) بعيداً بابتهاج شديد.
13) وثانية جاءت للقوة الثالثة، المسماة الجهل.
14) وسألت القوة الروح، قائلةً، إلى اين انت ذاهبة؟ بالشر مقيدة. ولكنك مقيدة لا تحكمي.
15) وقالت الروح. لماذا تحاكمينني، مع اني لم احاكم؟
16) كنت مقيدة، رغم اني لم اكن مقيدة.
17) لم يتم التعرف علي، ولكنني عرفت ان الكلّ سيتلاشى. الأرضيات والسماويات معاً.
18) حين قهرت الروح القوة الثالثة، ذهبت للأعلى ورأت القوة الرابعة، التي اخذت سبعة اشكال.
19) الشكل الأول هو الظلام، الثاني هو الرغبة، الثالث هو الجهل، الرابع هي إثارة الموت، الخامس هو مملكة الجسد، السادس هي حماقة حكمة مملكة الجسد، السابع هي الحكمة الرعناء. هذه هي القوى السبع للغيظ.
20) سألوا الروح، من أين أتيت قاتلة الرجال، أو الى أين ستذهبين، قاهرة الفضاء؟
21) أجابت الروح وقالت، ما كان يمسكني قد انتهيت منه، وما كان يلويني هزمته.
22) ورغبتي انتهت. والجهل قد مات.
23) في اللانهاية اطلقت من العالم، ومن نوع الى نوع، ومن قيد السلوان العابر.
24) منذ الآن سأبلغ بقية الزمن، من الفصول، من الدهر، في صمت.
الإصحاح التاسع
1) حين قالت مريم هذا، صمتت، لأن كل الكلام الى هذه اللحظة كان كلام المخلص معها.
2) لكن ( آندرو ) اجاب قائلا الى الإخوة، قولوا ما تتمنون قوله حول ما قالته. فأنا اخيراً لا اصدق ان المخلص قد قال هذا. فمن المؤكد ان هذه التعاليم أفكار غريبة.
3) أجاب بطرس وتحدث في ما يختص بهذه الأمور.
4) سألهم عن المخلص: هل حقاً تحدث مع امرأة وحيدين وليس علنا امامنا؟ هل سنستمع لها جميعا؟ هل فضلها علينا؟
5) فبكت مريم وقالت الى بطرس، أخي بطرس، ماذا تظنّ؟ هل تظن أنني ابتدعت هذا من لقاء نفسي ومن قلبي، أو أنني أكذب بخصوص المخلص؟
6) أجاب ليفي قائلا الى بطرس، بطرس أنت دائماً سريع الغضب.
7) الآن اراك تنافس المرأة كعدو.
8) لكن اذا كان المخلص جعلها ذات قيمة، فمن انت إذا حتى ترفضها؟ بالطبع فان المخلص يعرفها بشكل جيد.
9) لهذا السبب احبها اكثر منا. فبالحري يجب ان نخجل ونختار الرجل المناسب، ونفترق كما أمرنا ونبشر بالإنجيل، دون ان نضع شروطاً لم يضعها المخلص.
10) وحين سمعوا هذا بدأوا بالإبتعاد للنداء والتبشير.

الإنجيل حسب رواية مريم المجدلية

مريم المجدلية
يوم عيدها : 22 تموز/ يوليو
كانت مريم المجدلية أهم التلميذات النساء في حركة يسوع. من كانت مريم المجدلية؟ لقد صنّفها التقليد على أنّها زانية، لكن لا يوجد في الكتاب المقدس ما يدعم أو ينفي هذا الرأي.

هناك أفكار عديدة حول المجدلية اليوم، سواء كان النص الإنجيلي والمصادر التاريخية توكدّها أم لا. على سبيل المثال، عرّفها آباء الكنيسة الأوائل خطأ على أنها المرأة الخاطئة التي مسحت قدميّ يسوع بالطيب في بيت سمعان الفريسي. آخرون اعتقدوا أنّها كانت مريم من بيت عنيا، أخت مرتا ولعازر.

واحدة من الأفكار الخيالية الأكثر غرابة ربطتها بأساطير حول الكأس المقدسة وفرسان الهيكل. وإنّ كتباً غير دينية تحمل أسماء مثل الدم المقدس، الكأس المقدسة، والمرأة صاحبة جرّة المرمر، توسّعت على أساس الأفكار التقليدية بأنّها ارتكبت خطايا جنسية. وتدّعي هذه الكتب بأنّ يسوع قد تزوجها وقد أنجبا طفلاً أو أكثر. هذه الكتب مبنية على الخيال وليس على الحقيقة.

مَن كانت مريم المجدلية بالحقيقة؟ 
الظاهر أن مكانتها في المسيحية الأولى كانت كبيرة بنفس رفعة منزلة بطرس إن لم تكن أعلى منها. يعطينا الإنجيل معلومات عن أهميتها. فبعد القيامة، ظهر يسوع أولاً لمريم المجدلية وليس لبطرس، تبعاً للإنجيل بحسب القديس يوحنا. لم تتعرف عليه في البداية، لكن عندما ذكر اسمها عرفته فوراً. لقد ركعت مريم المجدلية قرب صليب يسوع خلال تلك الساعات الطويلة المفجعة في الجلجلة. وبالرغم من أنّ المحنة كانت منهِكة، فقد نهضت باكراً في أول يوم من الأسبوع وذهبت إلى قبره والظلام ما يزال حالكاً. عندما اكتشفت أنّه لم يكن هناك، انهارت وبكت. كانت مريم متلهفة جداً لتمنح جسد سيدها وربها الحبيب دفناً لائقاً وقد ناشدت البستاني بالدموع، حتى أنها عرضت عليه المال، ليأخذها إليه.

لكنّ الشخص الذي تكلّمت معه لم يكن البستاني. لقد قال كلمة واحدة فقط فعرفت أنّه كان يسوع الناصري. قال"يا مريم" فردّت بدورها "ربوني"، وstrongbr /* * *13 ما هي الخطيئة في العالم؟br /10 هي كلمة عبرية تعني "يا معلّم". لقد أظهر يسوع نفسه لها خارج القبر. كانت مريم أول شخص يرى الرب القائم من بين الأموات، وهذه مكافأة لا تقدّر بثمن لإخلاصها غير المشروط. أخبرت مريم التلاميذ "لقد رأيت الرب". وفي أجزاء أخرى من الكتاب المقدس، فإنّ اسمها هو الأول في قائمة شهود القيامة (مرقس16: 1-11 ، متى28: 1 ، لوقا24: 10 ، يوحنا2: 11- 18، 1 كورنتس15: 5- 8 ). وإنّ الإنجيل بحسب رواية مريم المجدلية (وهو من الأناجيل الغنوسية المنحولة التي لا تعترف بها الكنيسة) ، يضيف دليلاً على أنّ مريم المجدلية كانت قائدة مسيحية قوية. اكتشِفت هذه المخطوطة غير الإنجيلية في مصر في منتصف القرن العشرين. وهي تدّعي أن بطرس كان يغار من مريم. وبناء على ذلك نجد أنّه تتم الإشارة إليها في الكتابات المسيحية على أنّها "رسولة للرسل."

قراءات: 
عندما جاءت مريم المجدلية إلى القبر ولم تجد جسد الرب، ظنّت أنه قد تم أخذه بعيداً وأخبرت التلاميذ بذلك. بعد أن جاؤوا وشاهدوا القبر، صدّقوا ما قالته لهم مريم. يقول الإنجيل:" فمضى التلميذان أيضاً إلى موضعهما." ويضيف:" أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجاً تبكي."

يجب أن نتأمل في موقف مريم وحبها الشديد للمسيح، فعلى الرغم من أنّ التلميذين قد تركا القبر ، بقيت هي. كانت ما تزال تطلب الشخص الذي لم تجده، وبينما كانت تتنهد وتبكي، وتحترق بنار الحب، اشتاقت إليه هو الذي ظنت أنّهم أخذوه بعيداً. وما حدث هو أنّ المرأة التي بقيت وتخلّفت عن الآخرين لتطلب المسيح كانت الشخص الوحيد الذي رآه، لأنّ الثبات والمثابرة ضروريان لكل عمل صالح كما يقول لنا صوت الحق:" من يثبت إلى النهاية يخلُص."

بسبب الافتراض أنّ مريم المجدلية كانت خاطئة مميزة، وربما أيضاً بسبب وصفها تبكي عند قبر يسوع في صباح يوم القيامة، لذلك يتم رسمها في اللوحات الفنية باكية أو أنّ عينيها حمراوان بسبب البكاء. ومن هذا المظهر اشتقت الكلمة الانجليزية "مودلين" وتعني " الجيّاش بالعاطفة إلى حد الإسراف والبكاء". توجد كليّة المجدلية في أوكسفورد و كليّة المجدلية في كامبرج (بتهجئة انجليزية مختلفة) وكلتاهما تلفظان "مودلين."

كان صلب يسوع مشهداً من أجزاء تذكارية هامة وضخمة، فبينما ابتعد عنه الآخرون خوفاً على حياتهم، بقيت مريم المجدلية مخلصة. يعتقد بعض المؤرخين أنّ مريم كانت حاضرة في قصر بيلاطس حيث سمعت الرؤساء الروحيين يطلبون دمه ويعلنون الحكم عليه بالإعدام. تبعته وهو يجرّ صليبه بين حشود من المشاهدين المتجادلين الساخطين وشهِدَت صلبه القاسي المرعب. " كما أنّ كثيرين دهشوا منك هكذا يتشوّه منظره أكثر من الإنسان وصورته أكثر من بني البشر." ( إشعيا 52: 14). فبالرغم من أنّ معظم تابعيه بمن فيهم تلاميذه، هربوا خوفاً على حياتهم، لم تتركه مريم المجدلية أبداً.

كان إخلاصها الشجاع نابعاً من امتنانها العميق للحب الذي أظهره المسيح لها. حتى لمسَها المسيح، كانت مريم امرأة يائسة تعاني الكرب والوحدة. كان سبعة شياطين يعذبونها (عدد 7 يعني الكمال – ما يعني أنّها أصبحت كاملة... والشياطين تعني العوائق: المسيح يقول لبطرس أبعد عني يا شيطان، أي لا تكن عقبة أمام إرادة الألوهة). على الرغم أننا لا نعرف طبيعة هذه الشياطين، ولكننا نعلم أنّ مثل هذه المرأة المنبوذة في إسرائيل في القرن الأول كانت تعتبر وضيعة، (أثبتت الوثائق التاريخية أنّ مريم المجدلية ليست يهودية بل كنعانية من الجليل) وفي قريتها مجدلة الواقعة على بُعد ثلاثة أميال من كفرناحوم على شاطئ بحر الجليل.

إننا نحن الذين نعرف المسيح قد نلنا الخلاص به بنفس الطريقة الفعّالة المذهلة التي تمّ بها خلاص مريم المجدلية. إنّ خلاصنا هو معجزة لا تقّل أهمية وقوة عن معجزة خلاصها، ومع ذلك فإنّ استجابتنا لنعمة الله المخلّصة قد تكون مختلفة جداً عن استجابتها. فبعد شفائها، أصبحت مريم مُعينة متحمسة ليسوع وتلاميذه الاثني عشر، فقد استخدمت مالها الخاص لتساعد في تمويل تبشيرهم وكرازتهم وقضت أيامها تسافر من مدينة لأخرى في خدمتهم.(لوقا 8: 1-3). أصبحت واحدة من أكثر تابعي يسوع إخلاصاً، ولم يضعف التزامها تجاهه أبداً، حتى على الجلجلة.

القديسة مريم المجدلية هي شفيعة وراعية:
الصيادلة، صانعي الأدوية، مدينة كاساميسيولا، إيطاليا، الحياة التأمليّة التصوفيّة، المهتدون، تجار الأدوية، صانعي القفازات، الحلاقين، مصففي الشعر، الخطأة التائبين، النساء التائبات، الأشخاص الذين هم موضع سخرية بسبب تقواهم، صناعة ومحلات العطور، صانعي العطور، النساء التائبات اللوتي كنّ يمارسن الدعارة، دابغي الجلود، التجارب والخطايا الجنسية، النساء.

صلاة إلى القديسة مريم المجدليّة 
يا يسوع الصالح، لقد كانت القديسة مريم المجدليّة
واحدة من النساء اللواتي ساعدنك ورسلك خلال تبشيرك العلني.
لقد بكت مع أمّك الطوباوية و القديس يوحنا عند أقدام صليبك، وساعدت في دفن جسدك الميت.
وبسبب خدمتها لك بهذا الإخلاص، فقد كانت أول من شاهدك قائماً من بين الأموات.
أنا أسألها أن تصلي من أجلي عندما تكون لدي الفرص لمساعدة الآخرين ممن هم مشرفون على الموت أو حزانى على موت أحبائهم. ألهمني يا رب أن أمنحهم تعزيتك وراحتك، وأساعدهم ليقبلوا الخلاص، وأرشدَ الناجين على أن يسلموا أحباءهم بين ذراعيك.
أيتها القديسة مريم المجدليّة، صلي من أجلنا.
آمين.

----------

القدّيسة المعادلة الرسل مريم المجدلية


قيل أنّها ولدت في مجدلا، على بعد خمسة كيلومترات من مدينة طبرية. كانت من أتباع يسوع المسيح وخدمته في مسيره على الأرض، عاينته مرة لوحدها وأخرى مع بقية حاملات الطيب عندما قام من بين الأموات.


مريم هي أول من رأى القبر فارغا وأول من ظهر لها يسوع ناهضا من القبر، وأول من ارسلها لاعلان قيامته ( متى 28:1، مرقس 16: 1و9، لوقا 24: 10، يوحنا 20: 1 ). هي امرأة مميّزة، "رسولة الرسل " كما ندعوها في تقليدنا، تكرّمها كنيستنا بمفردها في 22 تموز، فضلاً عن تكريمها في أحد حاملات الطيب هذا مع سالومة ( مرقس 16: 1 )، ويوانّا خوزي ( لوقا 24: 1 )، ومريم التي لكليوبا أم يعقوب ( مرقس 16: 1 ولوقا 24: 10 )، ومريم ومرتا أختي لعازر (يوحنا 11: 1 )، وسوسنة ( لوقا 8: 3)، وأخريات كثيرات ( لوقا 24: 1). إنهنّ احضرن الطيوب الثمينة لدهن السيد فلم يجدنه. طريق مجيئهن الى القبر كانت طريق بكاء وحزن على فقدانه، في حين أضحت طريق عودتهنّ فرحاً وتمجيداً بعد أن أخبرهنّ الملاك بقيامة المخلّص.

يحكى في التراث، انها سافرت الى رومية وعرضت شكواها على الأمبراطور طيباريوس قيصر في شأن الظلم الذي ألحقه بيلاطس البنطي بيسوع، كذلك ورد أنها بشرت بالكلمة في بلاد الغال (فرنسا) ثم أنتقلت الى مصر وفينيقيا وسوريا وبمفيليا وأماكن أخرى. وبعدما أمضت بعض الوقت في أورشليم انتقلت الى افسس حيث أنهت سعيها بنعمة الله.

قيل أنها ووريت الثرى عند مدخل المغارة التى قضى فيها فتية أفسس السبعة المعيّد لهم في 4 آب. هناك فاضت عجائب جمّة الى أن جرى، في العام 899م، نقل رفاتها الى القسطنطينية بهمّة الأمبراطور لاون السادس الحكيم. يذكر أن اليد اليمنى للقدّيسة اليوم هي في دير سيمونو بتراس في جبل آثوس وتخرج منها رائحة عطرة.
------------------


لغز مريم المجدلية
يكاد قارئ كتاب العهد الجديد لا يلحظ دوراً للنساء في حياة يسوع التبشيرية، فحواراته كانت تجري دوماً مع الرسل الإثني عشر الذي اختارهم لمرافقته في حله وترحاله، وتعاليمه كانت موجهة على الدوام إليهم.

ولكن مؤلفي الأناجيل الذي تغاضوا عمداً عن دور النساء في حياة يسوع، تركوا لنا إشارات عابرة هنا وهناك تكشف عن دورهن المهم في الدعوة الجديدة، وتفانيهن في تقديم الدعم المادي والمعنوي للمعلم الذي تركن من أجله بيوتهن وسرن وراءه على طريق الآلام من الجليل إلى الجلجلة حيث صُلب ومُجّد، وكان بعضهن الشاهد الأول على قيامته من بين الأموات.


هذه الإشارات الغامضة التي تلفت نظرنا إلى الحضور القوي للنساء في ذلك المحيط الذكوري كما قدمه لنا الإنجيليون، تطلعنا على حقيقة في غاية الأهمية وهي أن عدد النساء في بطانة يسوع المقربة ربما كان أكثر من عدد الرجال، وأن الدعم المالي لهذه المجموعة المرتحلة مع معلمها كان يأتي من بعض أولئك النسوة المقتدرات اللواتي تركن ما كُنّ فيه من رغد العيش وسرن وراء يسوع.

ولعل من أهم هذه الإشارات ما ورد في إنجيل لوقا: "وعلى إثر ذلك كان يسير في المدن والقرى يكرز ويبشر بملكوت الله، ومعه الإثنا عشر، وبعض النساء اللواتي شفاهن من الأرواح الشريرة والأمراض، وهن مريم المعروفة بالمجدلية التي أخرج منها سبعة شياطين، وحنة (أو يُوَنّا في بعض الترجمات) امرأة خوزي وكيل هيرودوس، وسوسنة، وغيرهن كثيرات كن يخدمنه من أموالهن." (لوقا8: 1-3).

نلاحظ من هذه الإشارة المقتضبة إلى تلاميذ يسوع من النساء عند لوقا، وجود عدد كبير من النساء في بطانة يسوع المقربة، وأن المصدر الأساسي لتمويل معاش يسوع وتلاميذه كان من أموال هؤلاء النسوة. وقد كان هذا المال يُحفظ في صندوق خاص يحمله معه التلميذ يهوذا الأسخريوطي، على ما نفهم من إنجيل يوحنا 12: 4-6. ولكن لوقا لم يذكر لنا من أسماء هؤلاء النسوة سوى ثلاثة هن: مريم المجدلية، ويوَنّا (أو حنة) امرأة خوزي وكيل هيرودوس وسوسنة.

ويكشف لنا تعريف لوقا ليوَنّا بأنها زوجة وكيل هيرودوس أنتيباس ملك الجليل، حقيقةً في غاية الأهمية وهي أن العديد من هؤلاء التلميذات كن من شرائح اجتماعية ميسورة، وكنّ من موقعهن المتميز هذا قادرات على دعم طبيعة حياة الترحال التي اختارها يسوع له ولجماعته. وكما سنرى فيما بعد فإن اثنتين من هؤلاء النسوة اللواتي ذكرهن لوقا، وهما مريم المجدلية ويَونّا، سوف تعودان إلى الظهور في أحداث الأسبوع الأخير من حياة يسوع، أما الثالثة وهي سوسنة (أو سوزان كما تدعى في اللغات الأوروبية) فسوف تختفي تماماً، ولا يأتي أحد من الإنجيليين على ذكرها بما فيهم لوقا نفسه.

بعد هذه الإشارة الوحيدة والمقتضبة التي أوردها لوقا إلى وجود نساء كثيرات منذ البداية في بطانة يسوع، تصمت الأناجيل الأربعة عن هؤلاء النسوة وصولاً إلى أحداث محاكمة يسوع وصلبه ودفنه. فبعد القبض على يسوع وسوقه إلى المحاكمة، انفض عنه الرسل الإثنا عشر وبقية التلاميذ واختبأوا خوفاً من الاعتقال، ولم يصحبه إلى المحاكمة إلا النساء اللواتي رافقنه بعد ذلك إلى موضع الصلب. نقرأ في إنجيل متّى الذي لم يعترف بوجود النساء حتى هذا الوقت المتأخر ما يلي: "وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهنا كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهن مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب ويوسي، وأم ابني زبدي." (متّى 27: 55-56). وابنا زبدي المذكوران هنا هما يعقوب ويوحنا الوارد ذكرهما في قائمة الرسل عند متّى (راجع متّى: 4)

أما يعقوب ويوسي فهما ابنا حلفي. ويلقب يعقوب هذا بالصغير تمييزاً له عن يعقوب الكبير ابن زبدي. وعلى الرغم من أن متى لا يذكر لنا اسم أم ابني زبدي، إلا أن المرجح أن يكون اسمها سالومة، لأن مرقس الذي يُقدم لنا القائمة نفسها يقول "سالومة" في الموضع الذي قال فيه متّى "أم ابني زبدي": "وكانت أيضاً نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي، وسالومة." (مرقس15: 40). فإذا جئنا إلى لوقا وجدناه يذكر من أسماء النساء الكثيرات اللواتي حضرن الصلب ثلاثة، هن: مريم المجدلية، ويوَنّا، ومريم أم يعقوب (لوقا24: 10).أي أنه حافظ على قائمته التي قدمها لنا في بداية إنجيله مع استبدال سوسنة بمريم أم يعقوب.

أما يوحنا، وعلى عادته في التفرد عن بقية الإنجيليين، فيقدم لنا قائمة لا تشترك مع بقية قوائم الإنجيليين إلا باسم المجدلية: "وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه، وأخت أمه زوجة كِلوبا، ومريم المجدلية." (يوحنا 19: 25). تحتوي هذه القائمة على شخصيتين نسائيتين لم تردا في قوائم بقية الإنجيليين. فلدينا أولاَ أم يسوع التي كانت غائبة عن جميع الإنجيليين خلال حياة يسوع التبشيرية، ولم يرد ذكرها إلا عرضاً في معرض التعريف بيسوع باعتباره ابن امرأة تدعى مريم (متّى 13: 55-56 ومرقس 6: 1-3)، كما جرت الإشارة إليها على أنها أم يسوع دون ذكر اسمها عندما جاءت أسرته تطلبه وهو منشغل في التعليم: "هو ذا أمك وأخوتك واقفون خارجاً طالبين أن يكلموك." (متى 12: 46-50. قارن مع مرقس 3: 35-51 ولوقا 8: 19-21. أما عند يوحنا فقد ورد ذكرها مرة واحدة في مطلع حياة يسوع التبشيرية وذلك في عرس قانا عندما اجترح يسوع معجزة تحويل الماء إلى خمر، ولكن دون الإشارة إلى اسمها: "وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك… الخ" (يوحنا: 2) وبعد ذلك تغيب مريم عن مسرح الأحداث تماماً ولا نعثر لها على ذكر بين بطانة يسوع. ولذلك فمن الغريب أن نجدها فجأة تحت الصليب ومعها أخت لها لم نسمع بها من قبل اسمها مريم أيضاً. ولحل هذه المفارقة فقد اقترح بعض الباحثين وجود خطأ في النسخ وأن الآية 25 من الإصحاح 19 يجب أن تُقرأ: "وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه، وأخت أمه، ومريم زوجة كِلوبا، ومريم المجدلية." وبذلك يكون لدينا أربع نساء عوضاً عن ثلاثة. أما عن المدعو كِلوبا الذي تُنسب إليه هذه المريم الأخرى، فلم يرد اسمه إلا مرة واحدة في الأناجيل باعتباره من تلاميذ يسوع ودون إعطاء أي تفصيلات بخصوصه (راجع لوقا 24: 13-18)

بعض هؤلاء النسوة اللواتي حضرن واقعة الصلب كن أول الشهود على قيامة يسوع من بين الأموات، وهي الحدث الرئيسي في العقيدة المسيحية. ففي إنجيل متّى يتراءى يسوع للمرة الأولى بعد قيامته أمام مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي (متّى 28). وفي إنجيل لوقا يتراءى لمريم المجدلية ويوَنّا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن (لوقا24).

وفي إنجيل يوحنا يتراءى للمجدلية وحدها (يوحنا 20)، وكذلك الأمر في إنجيل مرقس (مرقس16)
في جميع قوائم الأسماء التي يقدمها لنا هؤلاء الإنجيليين الأربعة، نجد بينها على على اختلافها قاسماً مشتركاً هو اسم مريم المجدلية.

وهذا إن دل على شيء فعلى أهميتها البالغة ومكانتها الخاصة لدى يسوع. فمن هي هذه المرأة الغامضة؟

قبل الدخول في هذا الموضوع سوف نتوقف لإلقاء الضوء على شخصيتين نسائيتين برزتا في آخر مسيرة يسوع التبشيرية، وهما الأختان مريم ومرثا من قرية بيت عنيا في منطقة جبل الزيتون على مسافة ثلاثة كيلومترات من أورشليم.

نتعرف على مرثا وأختها مريم للمرة الأولى في إنجيل لوقا. فبعد أن شرع يسوع في رحلته إلى أورشليم دخل قرية لا يذكر لنا المؤلف اسمها: "فيما هم سائرون دخل قرية فأضافته في بيتها امرأة اسمها مرثا. وكانت لهذه أخت تدعى مريم. التي جلست عند قدمي يسوع وكانت تسمع كلامه. وأما مرثا فكانت مشغولة بأمور كثيرة من الضيافة، فأقبلت وقالت: يا رب أما تبالي أن تتركني أختي أخدم وحدي؟ فقل لها أن تساعدني. فأجاب يسوع وقال لها: مرثا، مرثا، أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى واحد. فقد اختارت مريم النصيب الصالح الذي لن يُنتزع منها." (لوقا 10: 38-42).

بعد ذلك نقابل مرثا ومريم مرتين في إنجيل يوحنا، حيث نعرف أنهما تسكنان مع أخيهما لعازر في بيت كبير في قرية تدعى بيت عنيا، وكان البيت من السعة والثراء بحيث يتسع لإقامة وضيافة يسوع وتلاميذه. ومن المؤكد أن يسوع قد قصد هذا البيت واستراح فيه مراراً، لأن مؤلف إنجيل يوحنا يقول لنا في سياق خبره الأول عن زيارة يسوع لمريم ومرثا، عندما أحيا أخاهما لعازر بعد موته بأربعة أيام، أن يسوع كان يحب مرثا وأختها ولعازر. وقد عرضنا هذه القصة بالتفصيل في مقالتنا السابقة، فلتراجع في موضعها في إنجيل يوحنا: 11.

الخبر الثاني الذي يورده يوحنا عند زيارة يسوع لبيت عنيا هو الذي يهمنا هنا: "ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الذي أقامه من الأموات. فصنعوا له هناك عشاءاً، وكانت مرثا تخدم وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه. فأخذت مريم منّاً (أو حقّا. وهي تتسع لثلاثمئة غرام) من طيبٍ ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها، فامتلأ البيت من رائحة الطيب. فقال واحد من تلاميذه وهو يهوذا سمعان الأسخريوطي المزمع أن يسلمه: لماذا لم يُبع هذا الطيب بثلاثمئة دينار ويُعطى للفقراء؟ قال هذا ليس لأنه كان يُبالي بالفقراء، بل لأنه كان سارقاً وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يلقى فيه. فقال يسوع: اتركوها فإنها حفظت هذا الطيب ليوم دفني وتكفيني. لأن الفقراء معكم في كل حين، وأما أنا فلست معكم في كل حين." (يوحنا12: 1-8)

تتكرر هذه الرواية بتنويعين في الأناجيل الثلاثة الأخرى. فعند متّى ومرقس تجري القصة في بيت شخص يُدعى سمعان الأبرص في قرية بيت عنيا، حيث دخلت امرأة مجهولة وسكبت زجاجة العطر على رأس يسوع لا على قدميه. وبما أن متّى يستخدم لغة مرقس نفسها وكلماته مع تعديلات طفيفة لا يعتد بها فسنكتفي هنا بإيراد رواية مرقس:

"وكان الفصح وأيام الفطير بعد يومين. وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب. وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص، وهو متكئ، جاءت امرأة معها قارورة طيب ناردين خالص كثير الثمن، فكسرت القارورة وسكبته على رأسه. وكان قومٌ مغتاظين في أنفسهم فقالوا: لماذا تَلَفُ الطيب هذا؟ لأنه كان يمكن أن يُباع هذا بأكثر من ثلاثمئة دينار ويُعطى للفقراء. وكانوا يؤنبونها. أما يسوع فقال: اتركوها، لماذا تزعجونها؟ قد عملت بي عملاً حسناً. لأن الفقراء معكم في كل حين ومتى أردتم تقدرون أن تعملوا بهم خيراً، وأما أنا فلست معكم في كل حين. عملَتْ ما عندها، قد سبقت ودهنت بالطيب جسدي للتكفين. الحق أقول لكم حيثما يُكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يُخبر أيضاً بما فعلته تذكاراً لها." (مرقس14: 1-9)

أما التنويع الثاني على هذه الرواية فيرد عند لوقا. وهنا نجد أن زمان الحادثة ومكانها مختلفان تماماً، فهي تجري في مطلع حياة يسوع التبشيرية وفي الجليل بالقرب من بلدة نايين لا في بيت عنيا قرب أورشليم:
"
وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه، فدخل بيت الفريسي واتكأ. وكان في المدينة امرأة خاطئة، فعلمت أن يسوع يأكل في بيت الفريسي، فجاءت ومعها قارورة طيب ووقفت من خلف قدميه وهي تبكي وأخذت تُبِل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعرها وتقبلهما وتدهنهما بالطيب.

فلما رأى الفريسي صاحب الدعوة ما جرى، قال في نفسه: لو كان هذا الرجل نبياً لعرف من هي هذه المرأة التي تلمسه وما حالها، فهي خاطئة.

فقال له يسوع: يا سمعان عندي ما أقوله لك. فقال سمعان: قل يا معلم. فقال يسوع: كان لمُداينٍ دين على رجلين، خمسمئة دينار على أحدهما وخمسون على الآخر. وعجز الرجلان عن إيفاء دينه فأعفاهما منه. فأيهما يكون أكثر حباً له؟ فأجابه سمعان: أظن الذي أعفاه من الأكثر. فقال يسوع: أصبت.

والتفت إلى المرأة وقال لسمعان: أترى هذه المرأة؟ أنا دخلتُ بيتك فما سكبتَ على قدمي ماءً، وأما هي فغسلتهما بدموعها ومسحتهما بشعرها. أنت ما قبّلتني قبلة وأما هي فما توقفت منذ دخولي عن تقبيل قدمي. أنت ما دهنت رأسي بزيت وأما هي فبالطيب دهنت قدمي. لذلك أقول لك: غُفرت لها خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيراً، وأما الذي يُغفر له القليل فهو يحب قليلاً. ثم قال للمرأة مغفورة لك خطاياك." (لوقا8: 36-48).

من قراءة هذه الروايات الأربعة نلاحظ أن روايات متّى ومرقس ويوحنا تتفق في معظم عناصرها ضد رواية لوقا. فالمكان هو بيت سمعان الأبرص في قرية بيت عنيا عند متى ومرقس، وهو بيت مرثا ومريم ولعازر في بيت عنيا أيضاً عند يوحنا. وبما أنه لا يوجد في بيت عنيا سوى بيت واحد كان يسوع يتردد عليه، فمن المنطقي أن يكون بيت سمعان الأبرص هو نفسه بيت الإخوة الثلاثة. 

ومن المرجح أن سمعان الأبرص هذا هو والد الأخوة الثلاثة ولكنه كان متوفياً في ذلك الوقت. يدلنا على ذلك أن يسوع قد دخل بيت سمعان الأبرص ولكن سمعان هذا لم يكن موجوداً، لأن الراوي لم يتحدث عن استقباله ليسوع ولا عن جلوسه معه إلى المائدة، ولا عن حوار جرى بينه وبين يسوع، والقصة تبدأ وتنتهي وكأن سمعان الأبرص غير موجود. كما تتفق الروايات الثلاث في عنصر سكب زجاجة الطيب سواء على رأس يسوع عند متّى ومرقس أم على قدميه عند يوحنا، وكذلك في عنصر احتجاج البعض على هذا الإسراف على الرغم من اختلاف هوية هؤلاء المحتجين (قوم مغتاظون في أنفسهم عند مرقس، أو تلاميذ يسوع عند متّى، أو تلميذ واحد عند يوحنا)، وكذلك في رد يسوع على أولئك المحتجين وقوله بأنها فعلت ذلك استباقاً ليوم الدفن والتكفين.

أما عند لوقا فإن القصة لا تحدث في بيت عنيا كما هو الحال عند الإنجيليين الثلاثة، وإنما في بيت سمعان الفريسي وفي مكان غير محدد. وعلى الرغم من اشتراك قصة لوقا مع البقية في عنصر سكب قارورة العطر، إلا أنها تفتقد عنصر احتجاج البعض، وتختلف في مضمون خطاب يسوع الأخير بخصوص تصرف المرأة، الذي ينسجم مع وصف لوقا لها بأنها خاطئة. وتعبير خاطئة هنا هو صيغة مهذبة لكلمة مومس (أراد البعض أن ينعت مريم المجدلية بالزانية لكن الكنيسة الكاثوليكية أقرّت اليوم أنّ المرأة الزانية التي تتكلم عنها الإناجيل ليست مريم المجدلية على الإطلاق).

وفي الحقيقة فإن اتفاق متّى ومرقس ويوحنا ضد لوقا فيما يتعلق بمعظم عناصر القصة، يقودنا إلى القول بضعف رواية لوقا لا سيما في وصفه للمرأة بأنها خاطئة، ومن المرجح أن لوقا قد أدخل تعديلاته هذه على القصة لأغراض تعليمية تتعلق بالتوكيد المسيحي على التوبة وعلى المغفرة، شأنه في ذلك شأن القصة التي أوردها يوحنا عن المرأة التي أُخذت في زنا وأراد القوم رجمها فقال لهم: "من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها أولاً بحجر."

وبهذا نكون قد أضفنا إلى قائمة الأسماء المعروفة لتلامذة يسوع من النساء اسمين جديدين هما مرثا ومريم من بيت عنيا. ولكن السؤال الذي حيّر الباحثين بخصوص هاتين المرأتين هو غيابهما عن أحداث محاكمة يسوع وصلبه ودفنه وقيامته. فأين كانتا وهما اللتان أحبهما يسوع مع أخيهما لعازر حبّاً جماً.

وقد قاد البحث في هذه المسألة البعض إلى الخروج بنتائج لا تصمد أمام النقد المعتمد على وقائع الكتاب. فقد ربط البعض بين مريم المجدلية والمرأة الخاطئة في رواية لوقا وقالوا إنها المرأة نفسها، كما ربط البعض الآخر بين مريم المجدلية ومريم من بيت عنيا أخت مرثا ولعازر، وهنالك من ربط المجدلية بكل من المرأة الخاطئة ومريم من بيت عنيا وقالوا إن الثلاثة هم شخصية واحدة. وبذلك فإن مريم بيت عنيا لم تكن غائبة عن الأحداث الأخيرة في حياة يسوع، بل حاضرة تحت اسم المجدلية.(1)

إن الربط بين المرأة الخاطئة في إنجيل لوقا ومريم المجدلية، لا يجد سنداً له لا من إنجيل لوقا نفسه ولا من بقية الأناجيل. فلوقا نفسه يقول لنا منذ البداية بأن المجدلية كانت من التلاميذ الأوائل ليسوع مع أخريات يُذكر من أسمائهن حنة امرأة خوزي وكيل هيرودوس ملك الجليل، وسوسنة. ويقول أنهن كن يخدمن يسوع من أموالهن. ولا شك أن اقتران اسم المجدلية باسم حنة وهي زوجة شخصية بارزة في الجليل يدل على أن الاثنتين تتمتعان بالمكانة الاجتماعية ذاتها.

والشيء نفسه يُقال عن استحالة الربط بين المجدلية ومريم بيت عنيا استناداً إلى معطيات الكتاب. فالمجدلية جليلية وتنتمي إلى بلدة مجدل الواقعة على بحر الجليل، وقد تبعت يسوع من الجليل إلى أورشليم، أما مريم بيت عنيا فأورشليمية تقيم في قرية قريبة من العاصمة، ولم تكن ترتحل مع يسوع بل كان يسوع نفسه يقصد بيتها للإقامة والاستراحة. (أثبتت القراءات المعمقّة مؤخراً أنّ مريم المجدلية هي شقيقة مرتا)

إن كل ما يمكننا قوله بخصوص مريم المجدلية استناداً إلى معطيات الكتاب، هو أنها كانت امرأة ثرية من الجليل تبعت يسوع بعد أن شفاها من مرض عصبي معين لعله الصرع. ويبدو أنها كانت التلميذة المفضلة عند يسوع بدليل ورود اسمها على الدوام في قوائم أسماء التلميذات عند جميع الإنجيليين، وشهادتها إما منفردة أو مع أخريات على قيامته من بين الأموات. ويبدو أن دورها في بطانة يسوع كان يشبه دور بطرس، فقد كان بطرس مترئساً على التلاميذ الذكور وكانت المجدلية مترئسة على التلميذات.

هذا الدور المميز للمجدلية يؤكده لنا مؤلفو الأناجيل الغنوصية المتحررون من الشوفينية الذكورية، ومنهم نفهم أن المجدلية كانت تنتمي إلى الحلقة الضيقة بين التلاميذ والتي خصها بتعاليمه السرية التي حجبها عن الآخرين.

نقرأ في إنجيل فيليب ما يلي: "كانت مريم المجدلية رفيقة يسوع على الدوام، وقد أحبها أكثر من جميع التلاميذ، وغالباً ما كان يُقبّلها. وهذا ما أزعج بقية التلاميذ حتى أنهم قالوا له في إحدى المرات: لماذا تحبها أكثر منا جميعاً؟ فأجابهم المخلّص وقال: لماذا لا أحبكم مثلما أحبها."

وفي نص مسيحي غنوصي معروف بعنوان Pistis Sophia، نجد في أحد المشاهد أن بطرس يتذمر من احتكار مريم الحوار مع يسوع في تجاهل لأسبقيته ويطلب منه إسكاتها، ولكن يسوع يُعنّفه على موقفه هذا. وبعد ذلك تقول مريم ليسوع بأنها لا تستطيع التحدث معه بحريّة خوفاً من بطرس الذي يكره جنس النساء، فيقول لها يسوع: إن من يلهمه الروح هو المخول بالكلام رجلاً كان أم امرأة.

وفي النص المعروف بعنوان إنجيل المجدلية، نجد التلاميذ الذين اجتمعوا بعد صلب يسوع من أجل استعادة وتذاكر أقواله، يطلبون من المجدلية أن تطلعهم على بعض تعاليم يسوع السرية التي تعرفها. وعندما شرّعت في الكلام تدخل بطرس قائلاً: هل تحدث المعلم سراً مع امرأة بما لم يتحدث به علناً معنا؟ فقال له التلميذ لاوي: إذا كان المعلم قد وجدها مستحقة لذلك فمن أنت حتى ترفضها؟ لقد عرفها المعلم جيداً ولذلك فقد أحبها أكثر منا. بعد ذلك تتابع المجدلية بموافقة الجميع إطلاعهم على ما سمعته من يسوع ولم يكونوا يعرفون عنه شيئاً(2).

أما لماذا غابت الأختان مرثا ومريم عن الأحداث الحاسمة الأخيرة في حياة يسوع، فلا أجد له تفسيراً إلا في الصمت المتعمد من قبل الإنجيليين عن دور النساء في قبول ونشر الدعوة المسيحية.

الهوامش:
1- بخصوص المطابقة بين المجدلية ومريم بيت عنيا، أو بين المجدلية والمرأة الخاطئة ومريم بيت عنيا، راجع على سبيل المثال المؤلفين التاليين:
- Michael Baigent, The Holy Blood and The Holy Grail, Jonathan Cape, London, 1982. ch.12
-A.Baring and J.Cashford, The Myth of The Goddess, Penguin Books, London, 1993, P 89ff
2- بخصوص هذه المقتبسات الغنوصية راجع:
- Elaine Pagels, The Gnostic Gospels, Vintage, New York, 1981, pp.76_81

الموضوع الأصلي : لغز مريم المجدلية -||- المصدر : مُنتَدَيَاتُ كَلِمَةٍ سَوَاءِ الدَّعَويِّة -||-الكاتب : MALCOMX

مريم المجدلية 
مريم المجدلية واحدة من عدد النساء يحملن هذا الاسم في الكتاب المقدس العهد الجديد، وكل المريمات في الأناجيل مجهولات النسب، وللتمييز بينهن يضاف إليهن الزوج أو الابن فمريم العذراء تعرف بابنها والأخرى أم يعقوب أما مريم المجدلية ميزت بقريتها مجدل المذكورة في إنجيل متى 15/39) [1]وتقع قرية مجدل علي ساحل طبرية بقرب من الجليل
تعتبر مريم المجدلية من أهم الشخصيات النسائية في العهد الجديد تذكر الأناجيل ان يسوع أخرج منها سبع شياطين فآمنت به وظلت تتبعه حيثما ذهب وكانت أيضا واحدة من النساء اللي يصرفن علي يسوع من أموالهن ( لوقا 8/3 )[2]

وذهبت مريم المجدلية إلي أورشليم مع يسوع المسيح في الرحلة الأخيرة وكانت واقفة علي ساحة الصلب (متى 27/55-56 )[3] وهي أول من ظهر لها يسوع بعد ان ظن الناس انه صلب.

يعتقد البعض أنها المرأة التي أمسكت في الزنا وتجاوز يسوع عن فعلها ( يوحنا 8/4 )[4] ويرفض آخرون كون مريم المجدلية المرأة الزانية، وقولهم هو الأصح، ومهما كان الأمر فان قصة المرأة الزانية ليست أصلية وأضيفت إلي الإنجيل في فترة متأخرة عن فترة كتابة الأناجيل.

الذين يرون أن مريم المجدلية هي ذاتها المرأة الزانية يرون أيضا انها نفس المرأة التي قبلت يسوع ومسحت بشعرها علي أرجله ودهنته بزبت النردين ( يوحنا 12/3 ) [5] ( انظر مقال الكاتب نعم لأكل السمك لا لأفعال مريم المجدلية ) وبحسب قولهم فهي أيضا أخت مارثا ولعازر الذي أقامه يسوع من الموت ، وهذا أيضا مستبعد فأسرة لعازر من بيت عنيا بينما مريم المجدلية من مجدل ( يوحنا 11/1 )[6] 
محمود أباشيخ

هوامش
[1] ثم صرف الجموع وصعد الى السفينة وجاء الى تخوم مجدل
[2] ويونّا امرأة خوزي وكيل هيرودس وسوسنة وأخر كثيرات كنّ يخدمنه من اموالهنّ
[3] وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهنّ كنّ قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهنّ مريم المجدلية ومريم ام يعقوب ويوسي وام ابني زبدي 
[4] قالوا له يا معلّم هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل 
[5] فاخذت مريم منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها.فامتلأ البيت من رائحة الطيب 
[6] وكان انسان مريضا وهو لعارز من بيت عنيا من قرية مريم ومرثا اختها

مريم المجدلية تتحدث عن نفسها :  [ كتب د. راغب عبد النور ... ]

من من القراء لم يسمع أو لم يقرأ عن اسم المجدلية، أجل هذا هو لقبى – أما اسمى فهو مريم الذى دعيت فى كل وقت "بمريم المجدلية ". 

كلمة مجدلية Magdalene هى مؤنث لكلمة مجدلة Magdala . فتعبير مجدلية يعنى "مريم التى من مجدلة". 
لا شك أنّ مجدلية لأننى نشأت فى مدينة مجدل – ولا بأس من الأفتراض أنى مجدلية لأني صاحبة الخصل المجدولة من الشعر – لكن لي على المجتهدين – افتراض الصلة بينى وبين آخرين من الشخصيات الكتابية وليس لهم من دليل كتابى على ذلك سوى الأستنباط من الحوادث المرتبة فى الكتاب. 

فذهب بعضهم إلى أنى أنا شخصيا هى المرأة الخاطئة فى المدينة التى جاء ذكرها فى انجيل البشير لوقا الطبيب فى الجزء الأخير من الأصحاح السابع وكانت حجتهم فى ذلك هو الأستهلال الوارد فى الأصحاح الثامن من انجيل لوقا القائل – وبعض النساء كن قد شفين من أرواح شريرة وأمراض ؛ مريم المجدلية التى خرج منها سبعة شياطين ويونا امرأة خوزى وكيل هيرودس وسوسنة وأخر كثيرات كن يخدمنه من أموالهن. 

انى اعترف بفضل مخلصى على أنى كنت صريعة شياطين سبعة – والشفاء الذى نلته على يديه ربطنى به كخادمة – سعيدة فى خدمة صاحب الفضل الذى لا ينسى، مثلى مثل بقية النساء اللواتي شفين على يديه المباركتين ولكن الربط بينى وبين المرأة التى نالت شفاء من خطية الدنس فى بيت سمعان الفريسى لا أعلم له سبباً....

قبل أن يبرئنى من الشياطين السبعة – كنت فى قاع الهوان – ويستوى أن ينسب إلى هذا أو ذاك – لكن بعد أن شفانى وحررنى من رباطات الظلمة "سبانى نوره البهى فصرت له كالظل – أخدمه متشرفة بخدمته " هذا الذى تتمنى الناس أن تلمس طرف ثيابه....

إننى بموقعى من سيدى وخدمته فخورة وقنوعة، لست أطمع فى أكثر مما أسبغ على من نعمة وعطاء سخياً فى عطائه فأنا وإن كنت لم أرتفع بنفسى إلى مقام أكبر من الامه التى تخدم سيدها " لكننى ظللت كل الأيام، مدهوشة منجذبة .... فمن هو معلمى الصالح .. وما هو ؟ .... " 

هل هو انسان ؟ ... "لا شك فى ذلك لأنه كانت به طبائع البشر فى أسمى تطبيقها – وهل هو أعظم من إنسان ؟ لا شك أيضا – فقد اجتمع له من السلطان – ما هو أعظم من سلطان كافة البشر مجتمعين ... إذا هل هو الإله ؟ .. ولماذا لا ؟ ... لأنه لا يؤتى هذه القوة والسلطة، مع الوداعة المطلقة ... واللطف المتناهى ... إلا من كان الإله " 
هذه اسئلة ظلت معلقة، تفرض نفسها، ولكل سؤال جوابه، لكن كيف الجمع بين هذه الأجابات، وبين شخصية السيد الرب الفذة. ولا يضع حدا لهذا التساؤل المتصل إلا الجواب أنه – الله الذى ظهر فى الجسد – وعند هذا الجواب يرتجف الفرد منا ... فهل هذا يعنى أن نزداد منه قرباً وحباً، أو نزداد بعداً وتخوفاً، والواقع أننا ازددنا منه التصاقا : "أيها المفكرون هل عشتم اللغز الذى عشناه ؟ " :

من جهة السيد المسيح : 
هو شخصيا كان أرفع وأمنع من الأحاطة البشرية! 
يسوع المسيح ؛ ما أجمله .. ما أروعه ... ما أعجبه، إنه اللغز الذى لم تتكشف حقائقه بالنسبة لعارفيه، كل أيام حياته بيننا، كبشري كامل مثلنا.

+ + +
لست هنا أروى قصة سمعتها، لكننى من الصليب كنت واحدة من النساء الواقفات من بعيد، ينظرن ما يحدث، بقلب يعتصر ألماً ... 
هل هذه مكافأة من كان يجول يصنع خيرا ؟ 

كيف استطاع القوم أن ينالوا منه، حتى يرفعوه على صليب العار وهم أنفسهم الذين كانوا يعملون ألف حساب، إذا ما أرادوا اللقاء به أو الحديث معه ؟ 
الموت لفظ لعازر حيا وإلى خارج القبر لأن الرب ناداه !! 

الطبيعة ألجمت بلجام فهدأ الموج المتلاطم، والريح العاصف لأن الرب أمر، وأمثلة أكثر من أن تعد ..... فما باله الآن لا ينطق بكلمة من كلمات سلطانه ؟ 
أظنك أيها القارىء لا تستغرب على أنى عشت ساعات الصليب نهبا لمثل هذه الأسئلة، ومما كان يزيدنى أسى أنى لا أجد جوابا، على سؤال واحد منها ! 
لم أستطع فراق المكان، وظللت معاينة لكل حوادث الصليب المفجعة، إلى أن انزلوه ... وقام يوسف الرامى ونيقوديموس بلف الجسد المقدس بأطياب وحنوط، ووضعاه فى قبر جديد ... ثم يدحرجان الحجر، وانصرفت وأنصرفا. 

كنت آخر من ترك القبر المقدس – يوم الجمعة العظيمة – قبل غروب الشمس – وكنت أيضا من جاء القبر – بعد منتصف ليلة الأحد – والظلام باق... 
واترك لك ولخيالك أن تتصور الحالة التى كنت فيها وعشتها طوال هذه الساعات : "والحيرة التى لا يمكن وصفها – التى سيطرت على " .... فكل ما حدث لم يكن يدر بخلد إنسان : "هل يموت الحى المحيى ؟ " .. لذلك صدق يوسف الرامى ونيقوديموس وهما يحنطان الجسد المقدس أن يرددا مع ملائكة السماء القول : 

" قدوس الله .. قدوس القوى .. قدوس الحى الذى لا يموت... "
هذا رغم أنهما يضعان الجسد المقدس فى القبر !!
ساعات سوداء قاتمة – أنتم الآن تستضيئون بظلال شجرتها الوارفة – أما نحن – فقد انغرست أشواكها فى أعماقنا : "هكذا كان نصيبنا، ونحن لسنا منه فى ضجر أو ندم، "بل إننـــا فخورون "، أننا صرنا شهودا للأحداث العظام أو أعظم الأحداث قاطبة. إنها الأحداث التى مست حاجة كل قلب ... 
انها الأحداث – التى لا تكرار لها – "لكفايتها وكمالها، وانفراد الشخص الذى تحملها، : "فلم يطأ أرضنا إلا يسوع واحد، ولم يتألم عنا غير يسوع واحد، وأيضا لم يخذل سلطان الموت والهاوية إلا يسوع واحد ونحن شهود لذلك ". 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ومن كتاب: من تفسير وتأملات الآباء الأولين، انجيل يوحنا ج 2، للقمص: تادرس يعقوب ملطي.. ].
كتب يوحنا البشير : 
" وفى أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرا، 
والظلام باق، فنظرت الحجر مرفوعا عن القبر " يو 20 : 1 

لم نجاوز منتصف ليلة الأحد إلا قليلا، وتركنا منزل القديس يوحنا الحبيب، حيث كانت أمنا جميعا، العذراء دائمة البتولية، القديسة مريم .... 

أورد القديس يوحنا مواقف كثيرة لنساء لهن دورهن القوي، ففى بدء الآيات تظهر القديسة مريم أم يسوع شفيعة عن الحاضرين فى عرس قانا الجليل، وفى الأصحاح الرابع يلتقى السيد المسيح مع المرأة السامرية التى جذبت مدينة سوخار بأكملها لتتمتع بشخص السيد المسيح بعد أن أعلن السيد لها عن نفسه، وفى حادثة إقامة لعازر (ص 11 ) كان حضور الشقيقتين مريم ومرثا بارزا، ويستطرد الأباء القول :

" والآن تظهر مريم المجدلية بأمانتها الداخلية العجيبة، جاءت إلى القبر والليل باق، مدفوعة بحبها الشديد لذاك الذى كان فى ذلك الحين غائبا عنها، السبب العميق لحضور مريم المجدلية هنا يبدو أنه حزنها الشخصى المفرط، وإحساسها بالغياب النهائى الذى يعنيه القبر على الدوام، إنها أول من رأى الحجر مرفوعا عن القبر، لقد أراد الرب أن تشهد بأن رافع خطية العالم ( يو 1 : 29 ) قد قام، وأن الحجاب الأخير قد رفع. 

كانت المجدلية متحمسة جدا لزيارة القبر، فقد تمتعت بمحبة السيد، ألتصقت به فى حياته وخدمته من مالها ( لو 8 : 2 – 3 ) واستمعت إلى عظاته، كانت محبتها قوية كالموت، إذ وقفت بجوار السيد المسيح حتى موته على الصليب، وجاءت إلى القبر دون أية اعتبارات لما تواجهه من مصاعب، فحبها للسيد المسيح نزع عنها كل خوف من الموت أو من القبر، جاءت إلى القبر لتبكيه بمرارة، وتسكب طيبا وحنوطا على جسمه، مريم المجدلية التى ألتصقت بالسيد المسيح حتى آخر لحظات الدفن تمتعت بأول أخبار القيامة المفرحة المجيدة : القبر الفارغ ! 

انطلقت مريم المجدلية إلى قبر السيد لتتمتع بشركة قيامته، يبدأ الأنجيلى هنا باليوم الأول من الأسبوع الجديد، فيفتح أمامنا زمنا آخر كليا، يعلن فيه عن حياة جديدة مقامة وعالم جديد، منذ ذلك الوقت أتخذ المسيحيون يوم الأحد يوم راحة تذكارا لقيامة السيد المسيح، وسمى : "يــــوم الــــرب " ( رؤيا 1 : 10 ) 

جاءت إلى القبر باكرا، فالحب يدفع المؤمن للقاء مع القائم من الأموات فى أول فرصة ممكنة، باكرا دون تراخ أو تأجيل، جاءت والظلام باق حيث أمكن لنور شمس البر أن يشرق فى داخلها، وينير لها طريق القبر الفارغ الشاهد لمجد قيامة المسيح، كان الظلام لا يزال باقيا، لكن الحب أضاء لها الطريق ". 

أعود فأقول : وأنا فى الطريق – زلزلت الأرض بزلزال – وارتعشت له البسيطة تحت أقدامنا، الأمر الذى ذكرنى بساعات الظلمة حين أظلمت الشمس وتزلزلت الأرض وتشققت القبور وقت ساعات الصليب الحرجة ... من خلال الحيرة لم نعلم أننا نسعى نطلب "الحي بين الأموات ". 
رأيت الحجر مرفوعا فظنت أن السيد قد أخذ من القبر ! 
يذكر الأنجيل حسب ما كتب يوحنا البشير : 
" فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس، 
وإلى التلميذ الآخر الذى كان يسوع يحبه، 
وقالت لهما : أخذوا السيد من القبر، ولسنا نعلم أين وضعوه " يو 20 : 2 
قال الآباء عنى : 
إذ ركض التلميذان نحو القبر لم يكن ممكنا لمريم المجدلية أن تلحق بهما، فجاءت إلى القبر غالبا وهما هناك، وربما بعد رحيلهما، هناك وقفت تبكى حيث تمتعت برؤية الملاكين لتعزيتها. 

ويستمر الوحى فى سرد الأحداث : 
" أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجا تبكى، وفيما هى تبكى انحنت إلى القبر ،
فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين، واحدا عند الرأس، والآخر عند الرجلين ،
حيث كان جسد يسوع موضوعا " يو 20 : 11، 12 

كنت أبكى الفرصة الوحيدة الباقية للوفاء : "بأن أقدم الحنوط " فلا أجد الجسد المقدس المستحق لهذا الحنوط، فى الحقيقة أنى كنت أبكى نفسى، فقد دارت بى الأيام، إلى الفناء والعدم بعد أن استعذبت الحياة والوجود : بحياته .. ووجوده ، فأين أنا الآن وأين ما كنته : "اللهم رحمتك وحنانك ".هو ذا أمك وأخوتك واقفون خارجاً طالبين أن يكلموك.p 

" لا يستشعر صدق اليد الحانية ؛ إلا الذين يعيشون البؤس "
لا يستشعر الصدر الحنون إلا المحروم من نعمة الحنان ؛ الذى قست عليه الحياة قسوة تجردت من الرحمة والرأفة .
بينما انطلق التلميذان إلى اخوتهما التلاميذ بقيت أنا عند القبر أبكى، لم يكن ممكنا لى أن أفارق القبر حتى أرى جسد السيد المسيح .... 

قدم لى القبر اعلانا آخر، إذ رأيت ملاكين بثياب بيض جالسين، واحدا عند الرأس والآخر عند الرجلين، استجاب الرب للحب والدموع، ففتح عيني لأرى ملاكين يشهدان للقيامة، للملائكة منظرهم الجذاب : "خصوصا فى محنتى لا أتصور أفضل من الملائكة بعد الذين التقيت بهم قادر بأن ينتشلنى من هذه المحنة مثلهم، تشير الثياب البيض إلى النقاوة. 
يشير الملاكان إلى الشاروبيم اللذين كانا على غطاء تابوت العهد حيث عرش الرحمة وحضرة الله وسط شعبه ( خر 25 : 18 )، لم يحملا سيفا كما حمل الشاروب عند باب جنة عدن ليمنع الأنسان من الدخول، وإنما كانا جالسين ( رمز الطمأنينة ) عند الرأس والرجلين، يرحبان بنا، ويقودان كل مؤمن للتمتع بالشركة مع المسيح المصلوب القائم من الأموات، لنتمتع بالحياة الأبدية خلال الصليب، شجرة الحياة.

يستطرد الوحى كما كتب يوحنا البشير : 
" فقالا لها : يا امرأة لماذا تبكين ؟ قالت لهما : 
أنهم أخذوا سيدى، ولست أعلم أين وضعوه " يو 20 : 13 
والآن اورد عن الآباء ماذكروا عن تلك الأحداث : 
" أظهر الملاكان حنوا نحو مريم المجدلية الباكية، فقد دهشا لبكائهما، إذ كانا ينتظران أنها تفرح بقيامته، حقا وسط آلامنا يشاركنا السمائيون الحب، ويندهشون لحزننا، إذ أدركوا ما يعده القائم من الأموات من أمجاد لمؤمنيه. 
سألها الملاكان : لماذا تبكين ؟ .... إنه وقت الفرح ! لقد قام السيد المسيح من بين الأموات " 
" ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء، 
فنظرت يسوع واقفا، ولم تعلم أنه يسوع ". يو 20 : 14 
التفتت إلى الوراء ربما لأنها شاهدت الملاكين قاما بعمل غير عادى كالسجود متجهين نحوه، أو أن أنظارهما قد تحولت عنها إليه بوقار شديد، رأته إنساناً عادياً فلم تتعرف على شخصه، لم تكن نفسية المجدلية أو فكرها مهيأ للقاء مع القائم من الأموات. 

جاءت الأجابة من السيد المسيح نفسه الذى وقف وراءها، ليتحدث معها ويجيب على سؤالها، كان شهوة قلب المجدلية أن ترى جسد المسيح الميت، لكنه وهبها ما هو أعظم، إذ ظهر لها :
"القائم من الأموات". إنه يعطينا أكثر مما نسأل وفوق ما نطلب. 
ربما بسبب حزنها الشديد لم تستطع أن تتعرف على شخص ربنا يسوع، حقا كانت تبحث عنه بدموع بقلب منكسر، ولم تدرك أنه قريب من منسحقى القلوب ( مز 34 : 18 )، أقرب مما يظنوا. هو فى داخلنا يود أن يعلن ذاته لنا. 
"قال لها يسوع: يا امرأة لماذا تبكين؟ من تطلبين؟" 
فظنت تلك أنه البستانى، فقالت له: يا سيد إن كنت أنت قد حملته، 
فقل لى أين وضعته، وأنا آخذه" يو 20 : 15 
لقد سبق فرمز لهذا التصرف بيوسف الصديق الذى تظاهر أمام أخوته كغريب قبل أن يكشف لهم عن شخصه ( تك 44، 45 )، إنه يعاتبها : "لماذا تبكين؟ أنا قمت! من تطلبين؟ ها أنا أمامك! قيامتي فيها الأجابة على كل أسئلتك، وفيها شبع لكل احتياجاتك. 
" قال لها يسوع : يا مريم، فالتفتت تلك، وقالت له : 
ربونى، الذى تفسيره يا معلم (كلمة بالعبرية - لغة كنعانية – فيها شيء من الحميمية)، قال لها يسوع : 
لا تلمسينى، لأنى لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبى إلى اخوتي، 
وقولى لهم : إنى أصعد إلى أبى وأبيكم، وإلهى وإلهكم " يو 20 : 16 – 17
إذ بحثت عنه بغيرة متقدة ومحبة تأهلت أن تسبق غيرها فى التمتع بصوته المفرح، لقد سر السيد المسيح أن يهبها فرح قيامته، لكي تشهد وتكرز بإنجيل القيامة .
سمعت اسمها على فمه فعرفت شخصه، وكما قال السيد عن خرافه : أنها تعرف صوته ( يو 10 : 4 )، كان يكفيها كلمة واحدة، أن يناديها السيد بأسمها. وكما تقول الكنيسة : " صوت حبيبى، هوذا آت طافرا على الجبال، قافزاً على التلال " ( نش 2 : 8 ). 
فعلت مريم حسبما أمرت، ذهبت إلى التلاميذ وأبلغتهم الرسالة : " قد رأيت الرب " لقد أكدت لهم خبرتها مع المسيح القائم من الأموات. 
لتأكيد قيامته سمح لتلاميذه أن يلمسوا آثار المسامير والجراحات، كما سمح للنسوة أن يمسكن قدميه ويسجدن إليه ( مت 28 : 9 )، أما بالنسبة للمجدلية فربما لأنها ظنت أنه قام كما سبق فأقام لعازر ليعيش معهم على الأرض، لذلك طلب منها ألا تلمسه بيديها بل بقلبها، لتكرز بقيامته وصعوده إلى السماء، إنه لم يقم ليؤسس له مملكة أرضية، بل ليصعد، ويقيم مملكته فى القلوب، لقد سبق فهيأ أذهانهم قبل صلبه أنه يصعد إلى السماء، لذا لم يرد أن تتحول بهجة قيامته إلى شوق نحو بقائه معهم على الأرض.

" فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب، 
وأنه قال لها هذا، .... 
ففـــــــرح التلاميـــــــــذ إذ رأوا الـــــــرب " يو 20 : 18 : 20
الإنســـــان لا يجد الفرح الحقيقى إلا فى يســــــــوع المسيح، الذى قال : " تعالوا إلى يا جميع المتعبين وثقيلى الأحمال ؛ وأنا أريحكم " ،،،،،، 
هناك فرق بين الفرح الحقيقى الذى يهبه يسوع للذين يحبونه ، وبين متع ولذات العالم، الفرح الأول باق ودائم وحقيقى، أما الثانى فهو زائل ونهايته الدينونة الرهيبة، إنه كماء البحر من يشرب منه يعطش ثانيا + + +

الأحداث المرتبطة بيوم قيامة السيد المسيح و دور مريم المجدلية:

السبت + قبل الساعة 6 م ذهبت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب إلى القبر ( متى 28 : 1 ) 
+ مؤخرا قامت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومى بإعداد الحنوط ( مر 1 : 16)

الأحد + باكرا تمت القيامة، وبعد ذلك الزلزلة، ومجىء ملاك وفتح القبر ( متى 28 : 2 – 4 ) 
+ جاءت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومى وربما معهن نسوة أخريات إلى القبر فى الفجر، ذهبت مريم المجدلية رأسا إلى القبر، ورجعت مع بطرس ويوحنا ( يو 20 : 1 الخ ) 
+ النسوة الأخريات بلغن إلى القبر مع شروق الشمس ( مر 16 : 2 )، رأين ملاكا، وتسلمن رسالة للتلاميذ ( مت 28 : 5 ؛ مر 16 : 5 ) 
+ نسوة أخريات من بينهن يؤانا جئن متأخرات، وكان لا زال الوقت صباحا باكـــرا ( لو 24 : 1- الخ )، وقد ظهر لهن ملاكان على شــــكل شــــابين ( لو 24 : 4 – الخ 
+ جاء بطرس ويوحنا إلى القبر ( يو 20 : 3 – 10 )، رأت مــريم المجدلية مــلاكين( يو 20 : 11 – 13 )، نساء أخريات أخبرن التلاميذ بالأمر ( لو 24 : 10 الخ ) 
+ ظهر الرب لمريم المجدلية ( يو 20 : 14 – 18 ؛ مر 9 : 16 ) 
+ ظهر الرب لنسوة أخريات كن عائدات إلى القبر ( مت 28 : 9 الخ ) 
+ ظهر الرب لتلميذين فى الطريق إلى عمواس ( لو 13 : 24 الخ ) 
+ ظهر الرب لبطرس مؤخرا بعد الظهر ( لو 24 : 34 ؛ 1 كو 15 : 5 ). 
+ ظهر الرب للأحدى عشر مع آخرين ( لو 24 : 36 الخ ؛ يو 20 : 19 ) 
+ + +

جاء فى كتاب :
[ العذراء مريم، وتاريخ أجيال العذارى ]
اصدار دير الشهيد : أبى سيفين – مصر القديمة. ما يلى : 
يذكر التقليد فيما يتعلق بشأن القديسة مريم المجدلية : 
أنه بعد صعود رب المجد إلى السماء أثار اليهود حنقهم على تابعى المصلوب، فطاردوا آباءنا الرسل الذين تشتتوا فى الأمم مبشرين بكلمة الله .. ثم قبض اليهود على القديس مكسيمينوس – أحد السبعين رسولا – ولعازر وأخواته والمجدلية ومارتيا – إحدى وصيفات القديسة مرثا – وأيضا سيدونيوس – المولود أعمى الذى شفاه السيد المسيح – وأركبوهم مع كثير من المؤمنين سفينة وتركوها لتسير دون سارى أو أشرعة أو دفة لتكون عرضة لكل الأمواج والتيارات مما يقضى بكل تأكيد على حياتهم. 

وبتدبير العناية الإلهية رست هذه السفينة على شاطىء مارسيليا بفرنسا ووقفوا عند باب أحد المعابد آلهة هذه البلدة. وإذ رأت القديسة مريم المجدلية الجمع يسرع ليضحى للآلهة، قامت للحال وتوجهت إلى الشعب المجتمع وفى كلمات قوية ماهرة وبوجه هادىء استطاعت أن ترجعه عن ضلالة العبادة الوثنية. وبدأت تكرز مبشرة بيسوع المسيح وكان الجميع يعجب بطريقتها المتميزة بسبب عذوبة ورقة حديثها وبساطته .. وهذا الأمر ليس بغريب أو عجيب، فهذا الفم الذى قبل أقدام السيد المسيح لا بد أنه سيكون أكثر تميزا بقوة الكلام الإلهى .. وقد أجرى الله على يديها معجزات كثيرة جعلت الكثيرين يتوافدون إليها طالبين بركة صلواتها من أجلهم .. 

وبفضل هذا القطيع المبارك تهدمت معابد الأوثان فى مارسيليا وأقيمت الكنائس. وبإرشاد من الله توجهوا إلى مدينة آكس، حيث تمجد الله معهم بإجراء آيات وعجائب كثيرة جذبت الكثيرين إلى الإيمان. وقد سيم القديس مكسيمينوس أسقفا على هذه المدينة. 

أما مريم المجدلية فبقلبها المتوهج بالحب الإلهى، اشتاقت أن تنفرد للعبادة والتأمل فى السمائيات، فانعزلت فى مكان هيأه الله لها داخل صحراء جدباء موحشة تقع على مسافة ثمان غلوات من مارسيليا تنتهى بجبل عال به مغارة واسعة حيث أقامت فيها القديسة لمدة ثلاثين عاما ظلت خلالها مجهولة من الجنس البشرى، وقد عرفت هذه المغارة بــــ La Sainte Baume 
وفى كل مرة كانت تنتصب رافعة يديها للصلاة، كانت الملائكة ترفعها إلى السماء حيث كانت تسمع بأذنيها الجسديتين أصوات تسابيح الخوارس السمائية، وبذلك كانت روحها تتغذى يومياً من هذه المائدة السمائية، ثم تنزلها بعد ذلك نفس الملائكة إلى الموضع الذى كانت تقيم فيه. 

" أنتم نور العالم لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل 
ولا يمكن أن يوقدون سراجا ويضعونه تحت مكيال بل على المنارة 
فيضىء لجميع الذين فى البيت " مت 5 : 14 – 15 
ولكى يظهر الله هذه الموهبة الفائقة التى اشتد ضياؤها فى الخفاء بعيدا عن أعين البشر، جعل فى قلب أحد الكهنة اشتياقا أن يحيا حياة الوحدة والتفرغ للعبادة، فأقام فى مغارة فى مكان مجاور على بعد حوالى أثنتى عشر غلوة من مكان المجدلية. وذات يوم كشف الله عن عينى هذا الأب، فاستطاع أن يبصر بوضوح كيف تنزل الملائكة فى المكان الذى كانت تقيم فيه الطوباوية مريم وكيف يرفعونها إلى السماء ثم يعودون بها إلى نفس المكان وهم يترنمون بتسابيح لله.

أراد هذا الأب أن يتأكد من حقيقة هذه الرؤيا، فصلى إلى الله ثم قام وشقّ الطريق متوجهاً فى شجاعة إلى المكان الذى تقيم فيه هذه الطوباوية إلا أنه لم يبعد مسافة رمية حجر حتى شعر أن ركبتاه قد أرتعشتا وانتابه خوف شديد كاد يقضى على حياته .. وإذا ما حاول التقدم فى المسير فى إتجاه مغارة الطوباوية، سرعان ما يصاب بنفس الأضطراب والخوف. فيأس من تكرار محاولته وأُحبطت عزيمته. وأخيرا أدرك رجل الله أن هناك قصداً وسراً سمائياً يصعب على عقله البشرى معرفته .. وبعد أن صلى هذا الأب إلى الله مردداً اسم مخلص البشر، صاح بصوت عال قائلاً : 

" أرجوك بإسم الله خالقك – سواء كنت إنسانا أو أى خليقة أخرى ساكنة فى هذه المغارة – أن تجيبني وتخبرني بالحقيقة ". 
وبعد أن كرر هذا الكلام ثلاث مرات، أجابته القديسة الطوباوية قائلة : 
" اقترب وسوف تعرف كل ما تشتاق إليه نفسك ". 

وعندما اقترب وهو مرتعد ووصل إلى منتصف الطريق قالت له : 
" أتتذكر تلك المرأة التى أخرج الرب منها سبعة شياطين وذهبت فجر الأحد حاملة الطيب لتكفن جسد المخلص، فسمعت صوته المحيى يناديها باسمها ؟" 
فأجاب الأب : 
" نعم إنى أتذكر ذلك جيداً والكنيسة تعترف بهذا الحدث ". 
حينئذ أجابته القديسة : " أنا هذه المرأة وقد أقمت مجهولة من البشر فى هذه المغارة منذ أكثر من ثلاثين عاماً لا يعرف أحد عنى شيئاً. وكما سمح الله لك بالأمس أن ترى، فإنى أرتفع إلى السماء بأيدى الملائكة فى كل ساعة من ساعات الصلاة وأتنعم بسماع التسابيح الجميلة للخوارس السمائية كل يوم .. وحيث أن الله قد أعلمنى بأنى سأفارق هذا العالم الزائل، فاذهب واخبر الأب مكسيمينوس بأنه فى عيد القيامة القادم فى الساعة التى اعتاد فيها الذهاب للصلاة فى الكنيسة، سوف يجدنى هناك ". 

كان رجل الله يسمع صوتها كأنه صوت ملاك .. وللحال أسرع فى الرجوع وذهب إلى الأب مكسيمينوس وقصّ عليه ما حدث، ففرح الأب جداً وقدم الشكر لله ... وبالفعل فى اليوم المحدد وفى الساعة التى أخبر بها، عند دخوله إلى الكنيسة، رأى الطوباوية مريم المجدلية واقفة رافعة يديها تصلى وحولها جماعة من الملائكة، فاضطرب الأب مكسيمينوس وخاف إذ كان وجهها يشع بالنور بسبب حديثها وصلاتها المستمرة إلى الله وسط جماعات الملائكة لدرجة أن أشعة الشمس كانت أقل ضياء بجوار وجهها المنير، أما القديسة فالتفتت نحوه وطمأنته قائلة : " لا تخف يا أبى ". 

وفى نهاية القداس استدعى الأسقف مكسيمينوس كل الكهنة والأب الذى سبق وأخبره بقدوم القديسة .. وبعد أن تناولت الطوباوية من جسد الرب ودمه من يد الأب الأسقف وهى ساكبة دموعاً غزيرة، جثت أمام الهيكل وأسلمت روحها بسلام وكان يفوح من جسدها رائحة عطرة ظلت منتشرة فى كل المكان مدة سبعة أيام. 
قام الأب الأسقف بدفن جسد القديسة بإكرام عظيم وأوصى بأن يدفن بجوارها بعد نياحته. وقد كرمها الله بإجراء عجائب ومعجزات كثيرة مع كل من يطلب بركة صلواتها ومعونتها .. ولها شفاعة قوية ومعونة كبيرة خاصة مع طالبى حياة التوبة والرجوع إلى الله. 
ويرى طقس الكنيسة الملهمة القبطية الأرثوذكسية ضرورة وأهمية أن يمدح أبناؤها ما صنعته القديسة مريم المجدلية فى كل مرة ينشدون بهجة قيامة الرب، تخليدا لوفاء حبها الفريد وعظمة ما استحقته. 
----------------- 
دور مريم المجدلية

السبت: 
+ قبل الساعة 6 م ذهبت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب إلى القبر ( مت 28 : 1 ) 
+ مؤخرا قامت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومى بإعداد الحنوط ( مر 1 : 16) 
الأحد:
+ باكرا تمت القيامة، وبعد ذلك الزلزلة، ومجىء ملاك وفتح القبر ( مت 28 : 2 – 4 ) 
+ جاءت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومى وربما معهن نسوة أخريات إلى القبر فى الفجر، ذهبت مريم المجدلية رأسا إلى القبر، ورجعت مع بطرس ويوحنا ( يو 20 : 1 الخ ) 
+ النسوة الأخريات بلغن إلى القبر مع شروق الشمس ( مر 16 : 2 )، رأين ملاكا، وتسلمن رسالة للتلاميذ ( مت 28 : 5 ؛ مر 16 : 5 ) 
+ نسوة أخريات من بينهن يؤانا جئن متأخرات، وكان لا زال الوقت صباحا باكـــرا ( لو 24 : 1- الخ )، وقد ظهر لهن ملاكان على شــــكل شــــابين ( لو 24 : 4 – الخ 
+ جاء بطرس ويوحنا إلى القبر ( يو 20 : 3 – 10 )، رأت مــريم المجدلية مــلاكين( يو 20 : 11 – 13 )، نساء أخريات أخبرن التلاميذ بالأمر ( لو 24 : 10 الخ ) 
+ ظهر الرب لمريم المجدلية ( يو 20 : 14 – 18 ؛ مر 9 : 16 ) 
+ ظهر الرب لنسوة أخريات كن عائدات إلى القبر ( مت 28 : 9 الخ ) 
+ ظهر الرب لتلميذين فى الطريق إلى عمواس ( لو 13 : 24 الخ ) 
+ ظهر الرب لبطرس مؤخرا بعد الظهر ( لو 24 : 34 ؛ 1 كو 15 : 5 ). 
+ ظهر الرب للأحدى عشر مع آخرين ( لو 24 : 36 الخ ؛ يو 20 : 19 ) 
+ + +
من ثيؤطوكية يوم الأحد 
المسيح إلهنا قام من الأموات وهو باكورة الراقدين .. 
ظهر لمريم المجدلية وخاطبها هكذا قائلا : 
اعلمى إخوتى أن يذهبوا إلى الجليل هناك يروننى ..
فجاءت مريم إلى التلاميذ وقالت أنها رأت الرب وأنه قال لها هذا .... 
كان بالحقيقة اهتمام القديسة مريم المجدلية حسنا ...
أتت إلى القبر فى أحد السبوت وطلبت باجتهاد قيامة الرب ... 
فرأت الملاك جالسا على الحجــــر صارخـــا قائلا قد قــام ليس هو ههنا.


ظهورات لمريم المجدلية بعد القيامة

شرح لنا قداسة البابا شنود الثالث أطال الرب حياته، 
فإن مريم المجدلية قد زارت القبر خمس مرات فى فجر أحد القيامة 
وقد استغرقت أحداث هذه الزيارات - وبأكثر تحديد الزيارات الأربعة الأولى - الفترة ما بين ظهور أول ضوء فى الفجر "إذ طلعت الشمس" (مر16: 2)، وتلاشى آخر بقايا ظلمة الليل "والظلام باق" (يو20: 1). وهى مدة لا تقل عن نصف ساعة فى المعتاد يومياً.
وكانت مريم المجدلية تذهب لزيارة القبر، ثم تعود إلى مدينة أورشليم بمنتهى السرعة، ثم تأتى إلى القبر مسرعة فى زيارة تالية وهى تجري.
ولأن موضع القبر كان قريباً من أورشليم (أنظر يو19: 20، 41)، لهذا لم تكن المسافة تستغرق وقتاً طويلاً. وبالرغم من أن مريم المجدلية قد قطعت هذه المسافة عشر مرات فى زياراتها الخمس، إلا أنها فى الزيارات الأربع الأولى،
ومنذ وجودها عند القبر لأول مرة فى فجر الأحد فإنها قطعت هذه المسافة ست مرات فقط. أى أنها استغرقت حوالى خمس دقائق فى كل مرة ما بين القبر وأورشليم وبالعكس
ونظراً لأهمية ترتيب أحداث القيامة، نورد فيما يلى بياناً بالزيارات الخمس لمريم المجدلية عند القبر حسبما أوردها الإنجيليون الأربعة بترتيب حدوثها

الزيارة الأولى
أوردها القديس مرقس فى إنجيله كما يلي
"وبعدما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنه. 
وباكراً جداً فى أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس. وكن يقلن فيما بينهن: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر. فتطلعن ورأين أن الحجر قد دُحرج. 
لأنه كان عظيماً جداً. ولما دخلن القبر رأين شاباً جالساً عن اليمين لابساً حلة بيضاء فاندهشن. فقال لهن : لا تندهشن. أنتن تطلبن يسوع الناصرى المصلوب. 
قد قام ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذى وضعوه فيه. لكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل هناك ترونه كما قال لكم. 
فخرجن سريعاً وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة أخذتاهن ولم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كن خائفات" (مر16: 1-8)
والدليل على أن هذه الزيارة كانت الأولى أن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب كن يقلن فيما بينهن "من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر" (مر16: 3) إذ لم تكن مريم قد رأت الحجر مدحرجاً

الزيارة الثانية
بعد عودة مريم المجدلية من الزيارة الأولى إذ لم تخبر أحداً بما قاله الملاك فى الزيارة الأولى لأنها كانت خائفة، ذهبت مرة أخرى فى صُحبة القديسة مريم العذراء لتنظرا القبر. 
وقد أورد القديس متى فى إنجيله هذه الواقعة دون أن يذكر القديسة العذراء مريم بالتحديد مسمياً إياها "مريم الأخرى"
"وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر. وإذا زلزلة عظيمة حدثت. لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه. وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج.

فمن خوفه ارتعد الحراس وصاروا كأموات. فأجاب الملاك وقال للمرأتين : لا تخافا أنتما. فإنى أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا لأنه قام كما قال. هلما انظرا الموضع الذى كان الرب مضطجعاً فيه. واذهبا سريعاً قولا لتلاميذه أنه قد قام من الأموات. 

ها هو يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه. 
ها أنا قد قلت لكما. فخرجتا سريعاً من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا تلاميذه. وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه إذا يسوع لاقاهما وقال سلام لكما. 
فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له. فقال لهما يسوع لا تخافا. اذهبا قولا لإخوتى أن يذهبوا إلى الجليل وهناك يروننى" (مت28: 1-10)
فى قول القديس متى "إذا زلزلة عظيمة قد حدثت" لا يعنى أن الزلزلة قد حدثت وقت تلك الزيارة، بل سبقتها وسبقت. 
وقد أورد القديس مرقس هذه الزيارة باختصار فى إنجيله، هى التى رأت فيها مريم المجدلية السيد المسيح وهى فى صحبة القديسة مريم العذراء. 
وذكر هذه الواقعة بعد أن ذكر الزيارة الأولى : "وبعدما قام باكراً فى أول الأسبوع، ظهر أولاً لمريم المجدلية التى كان قد أخرج منها سبعة شياطين. 
فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون. فلما سمع أولئك أنه حى وقد نظرته لم يصدقوا" (مر16: 9-11)

وبهذا ترى كيف أكرم السيد المسيح أمه العذراء والدة الإله: إذ لم يظهر لمريم المجدلية فى زيارتها الأولى مع مريم أم يعقوب وسالومة. بل ظهر لها حينما حضرت مع أمه. 
وفى تلك الزيارة تم تنفيذ رغبة السيد المسيح بسرعة فى إبلاغ تلاميذه كما ذكر القديس متى إذ خرجتا من القبر "راكضتين لتخبرا تلاميذه" (مت28: 8)
ليتنا نطلب صُحبة القديسة مريم العذراء فى حياتنا الروحية، لنرى السيد المسيح بأعين قلوبنا ونبشر بقيامته بغير تردد. لأن العذراء هى مثال الطاعة والتسليم بين جميع القديسين

الزيارة الثالثة
بعد أن أخبرت مريم المجدلية التلاميذ بقيامة السيد المسيح، أرادت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب أن تذهبا مرة أخرى إلى القبر مع مجموعة من نساء عديدات. 
وقد أورد القديس لوقا فى إنجيله هذه الزيارة بعد أن سرد أحداث الدفن يوم الجمعة. وراحة يوم السبت
"وتبعته نساء كن قد أتين معه من الجليل ونظرن القبر وكيف وُضع جسده. فرجعن وأعددن حنوطاً وأطياباً. وفى السبت استرحن حسب الوصية. 
ثم فى أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذى أعددنه ومعهن أناس فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر. فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع. 
وفيما هن محتارات فى ذلك إذا رجلان وقفا بهن بثياب براقة. وإذ كن خائفات ومنكسات وجوههن إلى الأرض. قالا لهنَّ : لماذا تطلبن الحى بين الأموات. ليس هو ههنا لكنه قام. إذكرن كيف كلمكن وهو بعد فى الجليل قائلاً : أنه ينبغى أن يُسلّم ابن الإنسان فى أيدى أناس خطاة ويصلب وفى اليوم الثالث يقوم.
فتذكّرن كلامه. ورجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله. 
وكانت مريم المجدلية، ويونا، ومريم أم يعقوب، والباقيات معهن اللواتى قلن هذا للرسل. فتراءى كلامهن لهم كالهذيان. ولم يصدقوهن" (لو23: 55 -24: 11)
بعد هذه الزيارة إذ لم يصدِّق الآباء الرسل كلام النسوة بدأ الشك يساور مريم المجدلية فقررت أن تذهب إلى القبر بمفردها. هذه هى الزيارة التالية

الزيارة الرابعة
ذهبت إلى القبر بمفردها قبل نهاية بقايا ظلمة الليل. وقد أورد القديس يوحنا الإنجيلى هذه الزيارة كما يلى :
"وفى أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكراً والظلام باق. فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر.
فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذى كان يسوع يحبه وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه. فخرج بطرس والتلميذ الآخر وأتيا إلى القبر. وكان الإثنان يركضان معاً.
فسبق التلميذ الآخر بطرس وجاء أولاً إلى القبر. وانحنى فنظر الأكفان موضوعة ولكنه لم يدخل.
ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة والمنديل الذى كان على رأسه ليس موضوعاً مع الأكفان، بل ملفوفاً فى موضع وحده. 
فحينئذ دخل أيضاً التلميذ الآخر الذى جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن. لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغى أن يقوم من الأموات. فمضى التلميذان أيضاً إلى موضعهما" (يو20: 1-10)
والعجيب أن مريم المجدلية بعد هذه الزيارة، بدأت تردد كلاماً مغايراً تماماً لما سبق أن قالته بعد الزيارتين الثانية والثالثة حينما أخبرت التلاميذ أنها رأت الرب وبكلامه ثم بكلام الملاكين عن قيامته
بعد الزيارة الرابعة بدأت تردد عبارة تحمل معنى الشك فى قيامة السيد المسيح بالرغم من ظهوره السابق لها وظهورات الملائكة المتعددة.
قالت للقديسين بطرس ويوحنا الرسولين " أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه؟!" (يو20: 2)
بعد هذا الكلام وبعد أن علم الرسل أن الحراس قد انصرفوا من أمام القبر. ذهب بطرس ويوحنا الرسولان إلى القبر وتبعتهما مريم المجدلية. وكانت هذه هى زيارتها الخامسة والأخيرة للقبر فى أحد القيامة. 
وحفلت هذه الزيارة بأحداث هامة غيرّت مجرى حياتها وتفكيرها تماماً

الزيارة الخامسة
أورد القديس يوحنا فى إنجيله أحداث هذه الزيارة بعد كلامه السابق مباشرة كما يلي:
"أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجاً تبكى. وفيما هى تبكى انحنت إلى القبر، فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحداً عند الرأس والآخر عند الرجلين، حيث كان جسد يسوع موضوعاً. 
فقالا لها يا إمرأة لماذا تبكين. قالت لهما إنهم أخذوا سيدى ولست أعلم أين وضعوه. ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفاً ولم تعلم أنه يسوع.
قال لها يسوع يا إمرأة لماذا تبكين. من تطلبين؟ فظنت تلك أنه البستانى فقالت له يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقل لى أين وضعته وأنا آخذه. 
قال لها يسوع يا مريم. فالتفتت تلك وقالت له ربونى. الذى تفسيره يا معلم. قال لها يسوع لا تلمسينى لأنى لم أصعد بعد إلى أبى.
ولكن اذهبى إلى إخوتى وقولى لهم إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم، فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب وأنه قال لها هذا" (يو 20: 11- 18)
فى هذه الزيارة الخامسة والأخيرة للقبر، نرى مريم المجدلية وهى فى اضطراب وشك وبكاء، تردد قولها السابق الذى قالته للرسولين بطرس ويوحنا. فقالت نفس العبارة للملاكين الجالسين داخل القبر 
" أخذوا سيدى ولست أعلم أين وضعوه" (يو 20: 13).
ثم وصل بها الحال أن قالتها للسيد المسيح نفسه عند ظهوره لها للمرة الثانية 
"يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقل لى أين وضعته وأنا آخذه" (يو20: 15).
وكانت قد ظنت أنه البستانى ولم تعلم أنه يسوع (أنظريو20: 15،14)
وحينما ناداها السيد المسيح باسمها قائلاً "يامريم" (يو20 : 16)، كان يريد أن يعاتبها على كل هذه البلبلة والشكوك التى أثارتها حول قيامته، وعلى ما هى فيه من شك فى هذه القيامة المجيدة، ثم رغبتها فى الإمساك به لئلا يفلت منها مرة أخرى بعد أن أمسكت سابقاً قدميه وسجدت له فى ظهوره الأول لها مع العذراء مريم ( أنظر مت28: 9)
فى هذه المرة قال لها:
"لا تلمسينى لأنى لم أصعد بعد إلى أبى" (يو20: 17).

كان هذا تأنيباً شديداً لها لأنها شكّت فى قيامته، وتريد أن تمسكه لئلا يختفى مرة أخرى
إنها بشكها فى قيامته تكون فى شك من قدرته الإلهية فى أن يقوم من الأموات. وكأنه ليس هو رب الحياة السماوى لأبيه السماوى فى القدرة والعظمة والسلطان. 
وبهذا يكون لم يرتفع فى نظرها إلى مستوى الآب... كما إنها تريد أن تمنع اختفائه من أمام عينيها لكى لا تشك فى القيامة... وبهذا تكون كمن يريد أن يمنع صعوده إلى السماء... وماذا يكون حالها بعد صعوده فعلاً ليجلس عن يمين الآب
لهذا أمرها بصريح العبارة "اذهبى إلى إخوتى وقولى لهم إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم" (يو20: 17)
فى قوله هذا كان يقصد أن يقول لتلاميذه أن إلهكم (أى الآب) قد صار إلهاً لى حينما أخليت نفسى متجسداً وصائراً فى صورة عبد، 
وسوف يصير أبى السماوى (الذى هو أبى بالطبيعة)، أباً لكم (بالتبنى) حينما أصعد إلى السماء،
وأرسل الروح القدس الذي يلِدكم من الله فى المعمودية
فبنزولى أخذت الذى لكم، وبصعودى تأخذون الذى لى
فى هذه المرة فهمت مريم المجدلية أنها ينبغى أن تقبل فكرة صعود السيد المسيح الذى لم يكن قد صعد بعد بالرغم من اختفائه عن عينيها بعد قيامته، كما أنه بقى على الأرض أربعين يوماً كاملين بعد القيامة لحين صعوده إلى السماء أمام أعين تلاميذه وقديسيه
لهذا "جاءت مريم المجدلية، وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب، وأنه قال لها هذا" (يو20: 18)
كانت السيدة العذراء مريم عجيبة ومتفوقة فى إيمانها- فقد آمنت قبل أن ترى السيد المسيح قائماً من الأموات، وآمنت حينما أبصرته، وآمنت حينما أمسكت بقدميه وسجدت له... وقبلت صعوده فى تسليم كامل،
لأنها كانت تعرف أنه ينبغى أن يجلس عن يمين أبيه السماوى، ولا يكون لملكه نهاية، حسبما بشرها الملاك قبل حلول الكلمة فى أحشائها متجسداً... لهذا حقاً قالت لها اليصابات بالروح القدس 
"طوبى للتى آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب" (لو1: 45)

br /br /+ جاءت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومى وربما معهن نسوة أخريات إلى القبر فى الفجر، ذهبت مريم المجدلية رأسا إلى القبر، ورجعت مع بطرس ويوحنا ( يو 20 : 1 الخ ) br /br /

المجموعة: في التاريخ والأركيولوجيا

من مؤلفات إيلبنانيون

المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

bethdesign102 

الكاتب: الأب الدكتور يوسف يمين

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ

كتاب الاب يوسف يمين: أمانة ام ذاتية؟

الديار 30 آذار 2000

قرأنا كتاب الاب يوسف يمين "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" والذي حاول من خلاله اطلاعنا عن مكان ولادة المسيح...

الأب يوسف يمّين

هنري زغيب- "نهار الشباب"- الثلاثاء 8 شباط 2000

حين زرته في إهدن، قبل خمسة أعوام، طرح امامي مشروعه "الخطير" المقبل، وأراني خرائط ووثائق ومستندات...

أعذرني بونا يمين

مجلة الغد- آذار 2000 ص 48

 القنبلة التاريخية والجغرافية والدينية التي فجّرها الاب الدكتور يوسف يمّين في كتابه الجديد "المسيح ولد في لبنان...

كتب إيلبنانيون

أبحاث إيلبنانيون

في اللإيزوتيريك

   - طاولة الزمرد

أركيولوجيا غير إعتيادية

   - سلسلة مباني عملاقة

   - نظرية التطور- بين الحقيقة والخيال-

في التاريخ والأركيولوجيا

   - البحث عن اسرائيل الكنعانية