مقدمة كتاب
"المرأة والرجل" في مفهوم الإيزوتيريك

 


المقدمة بقلم الأب الدكتور يوسف يمين
الله حب هو حب مطلق خالق مبدع وفائض. وهو فعل صرف وحرية تامة وعطاء دائم. هذه هي حقيقة الحقائق. وما سواها إلا تمهيد لها أو امتداد. من هنا الانطلاق، وإلى هنا الوصول. وبين الانطلاق والوصول ملحمة الوجود ودورة كونية أخرى. وهكذا إلى ما لانهاية. ولا نهاية. فمفهوم النهاية خدعة ذهنية موروثة. (طبعا، كلامنا في "الله- الحب- المطلق" مقاربة بسيطة. وهل يمكن أن يكون كلامنا، وأي كلام، أكثر من مقاربة بسيطة...؟). وحدهم عاشقو الله لهم حق الكلام غير أن كلامهم هم، هوعطاء ذواتهم، التام والمجاني، الله معشوقهم، إنهم يتكلّمون بكيانهم، لا بل أصبح كيانهم "كلمة".


هذا الحب المطلق الذي سموه الله- وقد أصبحت التسمية جامدة سطحية جوفاء على لسان الكثيرين- هوحب أزلي أبدي سرمدي. إنه بالتالي الملء المطلق. وإذا كان الله هو الملء المطلق، فكيف نوجد إذا أنا وأنت والكائنات؟ وأين؟ ولماذا الجواب، من داخل الحب، هو التالي: إن كرم حبه، الذي يفوق كل وصف وفكر، جعله "يخلي ذاته آخذا صورة خليقة"! جعله يكون فيّ أكثر مما أنا في ذاتي. جعله يكون فيك أكثر مما أنت في ذاتك. جعله يكون في الخليقة أكثر مما هي في ذاتها. أنا فيض من حب أكثر مما أنا ذاتي. الخلائق جميعها هي، في عمق حقيقتها، فيض من كرم الحب أكثر مما هي خلائق. وكونها هكذا، لا يقلل البتة من كونها خلائق. بل على العكس يجعلها خلائق أكثر. من هذه الزاوية بالذات يجب أن ننظر إلى كل شيء، أن نفهم كل شيء، وأن نحكم على كل شيء. هنا لا انصهار ولا ذوبان ولا ماشاكل ذلك. بل على العكس تماما، "ندرك" (مع بولس الرسول) ما هو العرض والطول والعلو والعمق، ونعرف محبة الله التي تفوق كل معرفة... ونتسع لكل ما عند الله من سعة وكمال"! (أفسس 3: 19- 20).


"في البدء كان الكلمة... وبالكلمة كان كل شيء. وبدونه ماكان شيء مما كان. فيه كانت الحياة، والحياة نور الناس. والنور يشرق في الظلمات، ولم تدركه الظلمات. الكلمة هو النور الحق الآتي إلى العالم... كان في العالم، وبه كان العالم، والعالم لم يعرفه... والذين قبلوه... مكّنهم أن يصيروا أبناء الله: إنهم لم يولدوا من ذي دم ولا من رغبة ذي لحم ولا من رغبة رجل، بل من الله ولدوا.." (مقدمة يوحنا 1: 2- 5، 9- 12).


الكلمة- الابن حلّ في الكون. ولحظة حلوله في أحشاء الخليقة كانت الخليقة "عذراء" إنها "العذرية المريمية" الأولى والنموذجية هذا كان أول التجسد، والتجسد الأول. جذور الإنسان تضرب في بدايات الخلق. عجيب هذا الإنسان. فجر الكون بهاء وجهه الطالع.


وكل حركات الكون وخطوطه، كل أشكاله وصوره، كل بدائعه وغرائبه تمهد لبهاء تجليّه الآتي. في صباحه الأول كان الإنسان "كيانا من نور... تحييه نبضة من نبضات الرب الإله".

في مراحله الأولى كان موحدا في ذاته. ثم في مراحل لاحقة ظهرت الثنائية في داخله. وفي مراحل أخرى لاحقة حديثة ظهرت الثنائية في الخارج، وكان الانشطار. هي عملية كونية نابعة من الأعماق هادفة ومؤقتة. المذكر والمؤنث- الرجل والمرأة- ظاهرة حديثة وعنصر لافت من عناصر هذه العملية الكونية...


لحظة حلّ الكلمة الابن في أحشاء الخليقة "العذراء" امتدت إلى "الخارج" العلاقات السرية الثالوثية. هذا "الخارج" هوالزمان والمكان والتاريخ والظاهرة الكونية المتمثلة بالمذكر والمؤنث- بالرجل والمرأة- وبالتالي بالأب والأم والابن، هذه الظاهرة لا تفهم على حقيقتها إلا في ضوء امتداد العلاقات الثالوثية الخلاّقة إلى الخارج...


وفي رؤية باطنية متكاملة تظهر على حقيقتها ثنائية الخالق والخليقة من جهة وثنائية المذكر والمؤنث من جهة ثانية. انطلاقا من العلاقات الثالوثية- "في الخارج" تظهر أولا أبوة الداخل كقوة خالقة تكمن في أعماقها كل المكنونات الممكن ظهورها في الخارج.


وكأنما صوت الله (كما جاء في هذا الكتاب الأيزوتريكي الشيّق) صدح في الكون قائلا: اخلق فإرادتك جزء من إرادتي. أنت على صورتي ومثالي، وقد انتدبتك لتكون خليفتي في الأرض. من قدرتي على الخلق أعطيك فتجسد إرادتك وفعل مخيلتك. وتذكر أبدا أنك من كياني انبثقت، كما انبثقت سائر الكائنات. وإذ أهبك من قدرتي على الخلق لتجسيد ازدواجيتك، فستعود واحدا كاملا إلى قلبي، إلى حيث ينبض كل كمال... (صفحة 46). تظهر ثانية بنوّة الخارج كتجسيد وحيد لكل مكنونات أبوّة الداخل. إنه انعكاس الأعماق الأزلية السريّة في الكون المعلن الظاهر. والكون الكبير جسد الابن الوحيد. (يتابع صوت الله): "اخلق لنفسك من نفسك كيانا آخر، يكون مرآتك، يعكس وجهك، فترى للمرة الأولى نفسك...(صفحة 46) ويظهر ثالثا رباط الروح في عمليات التقارب واللقاء والوحدة التي تظهر في جميع المستويات الكونية وعلى جميع الأصعدة. ونهاية الوحدة الصغرى بداية الدخول في الوحدة الكبرى. والتوق إلى الوحدة أعمق ما في قلب الخليقة...


يقول (ج ب م): "رأى الرجل انتقاص الحكمة في ذاته... ورأى أيضا نقصان كماله... أدرك أن كماله يكمن في المرأة التي انبثق وإياها من آدم الإنسان الكامل...أدرك الرجل معنى الكمال ومعنى الوعي... معنى الخلق والإبداع والاكتمال والإرادة والحكمة، أدرك الازدواجية، فعرف أن للوحدة الكبرى وجود، وتاق إليها... وهام في الأرض طويلا يبحث عن طريق العودة الواعية إلى الوحدة، وطريق العودة تمر عبر الاتحاد بنصفه الأفضل، كي يستعيد الصفات التي أودعها كيان المرأة. وبذلك يتوصل إلى الحكمة واعيا، ويدرك حقيقة كماله، ويتفهم هدف خلقه ومراحل وجوده عبر تطور وعيه...(صفحة 50)


في هذا الجو الإيزوتريكي بالذات يندرج سرّ اللقاء الخلاّق بين "الأنا" و "الأنت"، بين "الأنا" و "الآخر". وتشعّ اللقيّا بشموسها الداخلية. أجل ! الآخر هوأنا من منطلق آخر. الرجل هونصف الإنسان الكامل القديم الذي ظل ملايين السنين ينحدر في كثافة المادة حتى انشطر إلى شطرين. والمرأة هي النصف الآخر. الرجل والمرأة هما شطرا الوجود. الأول يكتمل في الآخر، ويكتمل الآخر فيه. وكأن الرجل، بشكل خفي هو المرأة من منطلق آخر، والمرأة هي الرجل من منطلق آخر. وكأن الابن بالتالي هو تواصل الاثنين في الزمان والمكان، وثمرتهما في الوقت نفسه. والصعود هو الاسم الروحي للتطور....


لقاء الرجل والمرأة بداية طريق العودة باتجاه اكتمال الاثنين،في المستقبل البعيد، في الإنسان الكامل الموحد، كما كانا في سحيق المواضي البعيدة. إنه الاكتمال. ثم تتابع المسيرة الإنسانية رحلتها، في الإنسان الموحد الكامل الذي توحد فيه المذكر والمؤنث خارج المستويات الأرضية، وتتجه، خلال مراحل أكثر سموا وروحانية، نحوالاشتراك بالألوهة، كما كان الإنسان في البدء: شرارة فيض من الألوهة. إنه الكمال.


"خرجت من الآب وأتيت إلى العالم... وأيضا أترك العالم وأمضي إلى الآب..." (يوحنا 16: 28)


من حضن "الآب" إلى حضن الأم، ومن حضن الأم إلى "حضن الآب"، إنه التاريخ الشامل لدورة الخلق، لدورة الإنسان، للدورة الكاملة. والرحمة والرحم واحد في اللغة... وخلال انحداره في المستويات المادية ظهرت في الإنسان الأول بوادر ثنائية. وفي غوصه في مادية الأرض انشطر إلى شطرين: مذكر ومؤنث، رجل وامرأة. وكان الجنس. هذه الطاقة الكونية الخلاقة المخصبة التي تهدف في الأصل إلى الوحدة. إنها الصيرورة إلى الوحدة. وبلاثنائية الجنس لاسير إلى الوحدة، في المستويات المادية. وبسبب تزايد الغوص في كثافة المادة الأرضية، حصل نوع من الانحراف في توجيه الطاقة الجنسية... فحصلت شرور وآلام، وحصل ضياع وهدر كثير. هناك مراهقة بشرية للأرض كما هناك مراهقة للإنسان الفرد. غير أنه في البدء كان الحب. إنه نسيج الطبيعة والكون. إنه انتظام العناصر. إنه قوام الكائنات والخلائق والأشياء. الحب في الخليقة أكثر مما هي في ذاتها. "لا تخافوا، يقول الحب، أنا غلبت العالم"...


ويبقى الشر اللغز الكبير في الكون (والموت مظهر من مظاهر هذا اللغز الكبير). ولا يحل هذا اللغز إلا بموت إله. وقد حلّ... ومن الآن وصاعدا، لا يجب أن ينظر إلى الشر والألم والموت إلا من خلال إله يموت، يموت في الكون. وقد مات... والأصح إنه يموت.


وغلبة الحب تستلزم قدسية الزواج، هذا الرباط الكياني المقدّس الذي يمثل سعي الجنسين إلى التوحد الصحيح ويجسّد وحدة المحبة الإلهية. لذلك رفع الحب الزوجي إلى مرتبة "السر"... إلى مستواه الأصلي ومنزلته السامية.


والوعي هو الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى التكامل فالكمال. ذلك أن كل شيء هاجع فينا، والوعي هوالوحيد القادر على إيقاظ المقدرات الباطنية والطاقات الهائلة السامية الكامنة في داخلنا.


أجل! "إن ملكوت السماوات في داخلنا"


إن تفتح واكتمال القوى الباطنية للرجل والمرأة، وازدياد الوعي وترقيه هو الطريق الوحيد للرجوع إلى الأنسان الكامل، ومن ثم للرجوع إلى الخالق. والحرية في المفهوم الباطني هي الوعي. وكل عمل واع هوممارسة الحرية عمليا. وكل إنسان واع هو إنسان حر. ومسار الوعي شاق ربما، ولكنه شيّق حتما. والكل سوف يسير بصعوبة وعلى مراحل، ولكن بانتظام ودقة، نحو هدف الوعي السامي الذي سوف يوحد الإنسانية جمعاء في عصر"الحضارة الباطنية" الذي يرتقي بالإنسانية نحومصدرها الإلهي، حيث لا رجل ولا امرأة. بل إنسان موحد مكتمل بإنسانيته، إنسان وعى وجود الإله في ذاته.


إن النقص في الوعي هوالذي أوجد عقدة المفاضلة والتفوق الذكوري، مما سبب خللا في التوازن البشري. لقد سار الرجل والمرأة معا، بعد الانشطار، عبر العصور المتعاقبة، وكل يحمل في باطنه ذكرى استقرت في لاوعيه عن الحالة الأولى الموحدة. ومع الأزمان، وبسبب نقص في الوعي عند الاثنين، وبفضل تكوينه الذكوري، نما في الرجل وهم المفاضلة والتفوق..ظانا أنه هومن ابتدع المرأة وجاء بها إلى الوجود... متناسيا أنه قبل وجود المرأة الفعلي لم يكن هو الرجل، بل كان كلاهما الكيان الواحد، كيان الإنسان الكامل، الذي منه انبثق الرجل وانبثقت المرأة... وأنه هو كمال كيانها كما هي كمال كيانه! وهل نسي الرجل أن المرأة التي تحمل بذور الحياة تحمل أيضا بذور الحكمة السرية التي من دونها وبمفرده، لن يستطيع إكمال الوعي المنشود؟ هل غاب عن بال الرجل أن المرأة هي المسارة- Initiatrice الوحيدة في دنياه، التي تكشف له عن أسرار الوجود والحكمة الدهرية، وتدربه على الولوج في أعماقها...؟ المرأة هي التي تقذفنا من أحشاء الله السرية إلى أرض الخليقة الخارجية وهي التي تعود بنا إلى قلب الألوهة من حيث أتينا وبين القذف والعودة تاريخ الذكورة والأنوثة معا.


من إنانا السومرية إلى عشتار البابلية، إلى إيزيس المصرية، إلى عناة الكنعانية، إلى العذراء مريم المسيحية... التاريخ السري للأرض والإنسان، ولعلاقة السماء بالاثنين. جاء في رؤيا يوحنا (12: 1) عن الأزمنة الأخيرة ما يلي: "ثم ظهرت آية عظيمة في السماء: امرأة ملتحفة بالشمس والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها إكليل من إثني عشر كوكبا..."
إن (ج ب م) صديق قديم. وإعجابي به تقديري له ينبعان من "قدس أقداسي": من حبي له. لقد تكرم وكلفني وضع مقدمة لهذا الكتاب. فحاولت...أشكره على هذه اللفتة الكريمة. كما أني أشكره بالأحرى على إنجازه هذا الكتاب الكاشف... الذي يشكل الحلقة الرابعة والعشرين من سلسلة علوم الإيزوتريك- أصدقاء المعرفة البيضاء- هذه المجموعة الرائدة تشكل نقلة نوعية في حركة الوعي الإنساني والعلوم الباطنية والروحية في أرضنا. وهذا الكتاب القيّم قد يكون الوحيد من نوعه في هذا المجال. فهو يذكرنا اليوم، في هذه الأزمنة السطحية الرديئة، بقول الفيلسوف الألماني المعاصر هَيدِغر: "الإنسان، رغم كل شيء، هو حيوان ميتافيزيائي..."


الآب الدكتور يوسف يميّن
اهدن، تموز 1996

 

المجموعة: في الإيزوتيريك

من مؤلفات إيلبنانيون

المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

bethdesign102 

الكاتب: الأب الدكتور يوسف يمين

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ

كلمة سعيد عقل في جامعة اللويزة

 5 نيسان 2000

أبتي الرئيس، صديقي الأب يمّين، خَلِيني إثني كلمة الأستاذ مطر، إنو الجامعة هَوْن بْتِسْمَعْ كلْ الناس وبتريد كل واحد يعطي رأيو حتى هوي يحترملنا رأينا...

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب للأب يمّين ينفض كل الموروثات

الديار في 3- 12- 1999

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب جديد للأب الدكتور يوسف يمّين الإهدني ينقض كل المَوروثات والمعتقدات الدينية السائدة...

دعوة إلى تنقية المسيحية المشرقية

ميشال سبع- جريدة المستقبل

في القسم الأول من الكتاب حاول الأب يمّين كشف أن بيت لحم هي لبنانية وليست في اليهودية واسمها القديم أفراته وهي مدينة كنعانية تحدثت عنها رسائل تل العمارنة...

جائزة سعيد عقل إلى الأب يمّين

الأنوار– الاثنين 20- 3- 2000

منح الشاعر سعيد عقل جائزته الأسبوعية التاسعة للأب العلامة يوسف يمّين على كتابه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

"المسيح ولبنان

ملحق الديار "أوريزون"- الأحد 19- 12- 1999

في حوار مع السيدة "مي المر"، سؤال: "ثمة كتاب صدر مؤخرا أيضا يحاول أن يثبت بأن المسيح هو لبناني؟...

أهم ما كتب عن لبنان إطلاقا

سعيد عقل- السفير 28- 4- 200

أخذت مراكز العلم تتناول بإهتمام كتاب العلامة الأب يوسف يمّين "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

كتب إيلبنانيون

أبحاث إيلبنانيون

في اللإيزوتيريك

- طاولة الزمرد- العلّامة الأب يوسف يمّين

أركيولوجيا غير إعتيادية

- سلسلة مباني عملاقة- إيلبنانيون

- نظرية التطور- بين الحقيقة والخيال- إيلبنانيون

في التاريخ والأركيولوجيا

البحث عن اسرائيل الكنعانية- إيلبنانيون

- المارونية في جذورها وأبعادها الروحية- العلّامة الأب يوسف يمّين