مناقشة مركزة لتاريخ القدس على ضوء الحقائق الآثارية

من ندوة القدس في التاريخ

 

شهد اليوم الثاني من ندوة «القدس في التاريخ» يوم الأربعاء 16 كانون الأول 2009 نشاطاً مكثفاً، إن من حيث عدد ونوعية المحاضرات أو من حيث الطاولة المستديرة التي اشترك فيها عدد من أهم العلماء في الدراسات التاريخية والآثارية التي تتناول فلسطين القديمة. وتميزت الطاولة المستديرة بنقاش ممتع ومداخلات إضافية من قبل السادة الباحثين والمهتمين حول تاريخ القدس القديم، ومدى أحقية ما تقوم به إسرائيل اليوم من بحث محموم لتثبيت حقائق لم يقم لها أي أساس علمي أو مادي.


الجلسة الأولى: القدس في التاريخ القديم وعلاقاتها مع الشعوب المجاورة


بدأت الجلسة الأولى لليوم الثاني باكراً في التاسعة صباحاً من نهار الأربعاء وكانت برئاسة الدكتور منذر الحايك، وتناولت الجلسة علاقة القدس بالشعوب المجاورة لها في الأزمنة القديمة وتعامل المدن والممالك العظمى في تلك الفترة مع هذه الحاضرة الآخذة بالنمو، وآليات تشكل المدن-الممالك والإمبراطوريات العظمى في الفترة ما قبل الهيلينية.


وقد افتتحت الجلسة بمحاضرة للأستاذة حياة إبراهيم محمد -مديرة متحف ديالى- والتي تحدثت فيها عن «القدس في المدونات العراقية القديمة»، وتخلص بحثها في بيان سياسة الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني الذي حكم بين عامي 605 و562 ق.م تجاه حتي (أو خاتي) كما وردت في المدونات الآشورية والبابلية، وهو مصطلح كان يطلق على كل سورية آنذاك والتي كانت تضم 22 مدينة كبيرة بما فيها القدس، حيث لم يرد اسم القدس في هذه النصوص إنما ورد اسم مملكة يهوذا التي كانت عاصمتها أورشليم (القدس)، حيث تحدث النص المسماري البابلي المحفوظ في المتحف البريطاني (تحت رقم B.M 21946) عن الحملات العسكرية التي شنها ملك بابل تجاه هذه المملكة.


كما تحدث الدكتور طالب منعم حبيب الشمري -قسم التاريخ بجامعة واسط- في محاضرته «النفوذ الآشوري في فلسطين من حكم تجلات بليزر الثالث حتى سقوط الدولة الآشورية 745-612 ق.م» عن علاقة الدولة الآشورية في عهد الإمبراطوري بفلسطين حيث يجب أن تعالج هذه القضايا بدون تجزئية بل بشكل شامل لتلك الحقبة التاريخية. وبين المحاضر أن هدف محاضرته هو تسليط الضوء على طبيعة النفوذ الآشوري في فلسطين وتبيان مواقف الملوك الآشوريين من مملكتي يهوذا وإسرائيل ونفوذهم وسيطرتهم على تلك المنطقة اعتماداً على حوليات الملوك الآشوريين التي أظهرت قيامهم بسلسلة من الحملات العسكرية مما يسلط الضوء على تلك الحقبة المهمة من تاريخ فلسطين القديم.


أما الدكتور عيد مرعي -أستاذ التاريخ في جامعة دمشق- فتناول في محاضرته «القدس (أوروشاليم) ونبوخذ نصر الثاني ملك بابل» ما فعله نبوخذ نصر الثاني أهم ملوك بابل من أجل تثبيت النفوذ البابلي في سورية من خلال حملات عسكرية متعددة على هذه المنطقة وخصوصاً في قسمها الجنوبي فلسطين. ففي العام 597 ق.م قام بمحاضرة أوروشاليم واحتلالها بسبب تحالف ملكها مع المصريين ورفضه دفع الجزية، ونصب ملكاً آخر موالياً له، وساق الملك المخلوع مع أفراد حاشيته ونحو ثلاثة آلاف من سكان المدينة أسرى إلى بابل. وفي العام 586 ق.م أغار مرة ثانية على المنطقة وبعد حصار لأوروشاليم دام ثمانية عشر شهراً سقطت المدينة بيده، فقبض على ملكها وهجر معظم سكانها إلى بابل، حيث بقوا هناك إلى أن سمح لهم الملك الفارسي قورش الثاني بالعودة في العام 538 ق.م. مع ملاحظة أن سياسة تهجير السكان من مناطقهم الأصلية كانت سياسة متبعة في ذلك الحين على نطاق واسع، وقد استخدمها الآشوريون والحثيون.


وتناولت الدكتورة مارغريت ل. شتاينر -الأستاذة في جامعة روتردام بهولندا- موضوعاً مهماً في محاضرة بعنوان «القدس في عصري البرونز والحديد: الدليل الآثاري»، تقول فيها أن الدلائل الآثارية لا تدعم فكرة أن جيروساليم كانت مشغولة بشكل متواصل من العصر البرونزي المبكر وما تلاه. بل تظهر أن الاستيطان تميز بتاريخ متقطع مع فجوات كبيرة في عصري البرونز الأوسط والمتأخر، مما يجعل من الصعب الموازنة بين الدليل الأدبي من جهة والدليل الآثاري من جهة أخرى.


ثم تطرق الدكتور إنغولف تيوسن -جامعة كوبنهاغن بالدانمارك- إلى تبلور ظهور المدن-الممالك في سورية في محاضرة بعنوان «المدينة-الدولة في عصر الحديد في المنطقة الفلسطينية السورية» حيث تحدث عن تبلور عدد من الممالك في المنطقة الفلسطينية السورية بعد انهيار المملكة المصرية والإمبراطورية الحثية، حيث أن هذه الممالك تركزت حول البلدات الكبيرة أو المدن. ويقدم الدكتور تيوسن تحليلاً لهذه الحالة في سورية وفلسطين ويعطي مثالاً مدينة حماة كنموذج لتشكل المدينة- الدولة في تلك الفترة.


واختتمت الجلسة الأولى بمحاضرة للباحث السوري الدكتور زياد منى التي تناول أصل اسم فلسطين في محاضرته «الاسم (فلسطين) في التاريخ القديم» حيث استعرض نماذج من عمليات التزوير التي قام بها بعض المستشرقين في محاولة لتزوير آثار فلسطين بدءاً من القرن الأول للميلاد وحتى القرن الحادي والعشرين.


الجلسة الثانية: القدس وفلسطين في معيار النصوص القديمة


ركزت الجلسة الثانية من اليوم الثاني من الندوة على القدس وفلسطين في ضوء النصوص القديمة التي تم اكتشافها في فلسطين وسواها من بلاد المشرق القديم، ومشكلة التزوير والتحريف الذي تتعرض له هذه النصوص لفرض نظرة معينة على تاريخ هذا الشرق، وكانت الجلسة برئاسة الدكتور حسن المبيض، واتسمت بالغنى في المعلومات والتركيز على مواضيع جدلية قيد البحث المستمر.
حيث تحدث الدكتور عماد سمير في محاضرة بعنوان «إبلا وتزوير التاريخ القديم» عن المحاولات التي تعرضت لها رقم إبلا المسمارية عن طريق طرح قراءة مشوهة لهذه الرقم تتلاءم مع الروايات التوراتية بهدف طمس الهوية العربية للمنطقة وإلحاقها بتلك الروايات. وذلك من خلال قراءة أولية خاطئة لمحتوى بعض النصوص المسمارية، تربطها بشكل أو بآخر بالنصوص التوراتية.
أما محاضرة الباحث السوري الأستاذ كمال راغب الجابي «القدس وصهيون وكتاب الزبور» فقد استعرضت التحولات التي طرأت على مدينة القدس منذ أن كانت تحت سلطان اليبوسيين الكنعانيين في القرن الخامس قبل الميلاد وحتى الوقت الحالي الذي تحاول فيه سلطة الاحتلال الإسرائيلي إزالة المعالم المسيحية والإسلامية المقدسة فيها وإقامة هيكل سليمان على أنقاضها.

 

وتناول الباحث السوري الأستاذ فراس السواح مسلسل التزوير الإسرائيلي للآثار والنقوش في الأرض الفلسطينية من خلال محاضرة بعنوان «نقش يهوآش ومسلسل تزوير الآثار في إسرائيل» وتحدث المحاضر عن أهمية آثار موقع أورشليم في القرن العاشر قبل الميلاد بسبب الجدل الحاد بين الباحثين حول تاريخية المملكة الموحدة لكل إسرائيل تحت سلطة ملوكها الثلاثة: شاؤول وداوود وسليمان. حيث تظهر الاكتشافات الآثارية الحديثة تناقضاً مع الرواية التوراتية حول هذه المملكة وعظمتها واتساعها. مما جعل المتمسكين بهذه الرواية يهللون لنقش ظهر في سوق الآثار في إسرائيل أثار حوله جدلاً كبيراً حول كونه يشكل إثباتاً لوجود هيكل أورشليم وتاريخية المملكة الموحدة. وعرض الأستاذ السواح صورة للنقش مع ترجمة للغة العربية والتحقيقات التي أظهرت زيف النقش في نهاية المطاف.


أما وثائق قمران فكانت موضوعاً لمحاضرة الدكتور فيصل عبد الله -أستاذ في قسم التاريخ بجامعة دمشق- والتي أتت بعنوان «مشكلة وثائق قمران والغليان الفكري في القدس في طور نشوء المسيحية»، وتحدث الدكتور عبد الله فيها على ضرورة التعرف على واقع الاحتلال الروماني في القدس قبيل وأثناء ظهور المسيحية، وكذلك العادات والتقاليد والطقوس والشعائر الدينية المسيحية المنحدرة من اليهودية وأجواء التبدلات التي أخرجت التجديد المسيحي في وسط الاحتلال الروماني والسكان الآراميين الفلسطينيين ومذهب اليهودية. وكل هذا يفضي بنا إلى فهم أكبر لطبيعة وثائق قمران التي اكتشفت منذ منتصف القرن الماضي في موقع قرية قمران في كهوف صخرية مطلة على البحر الميت ومخبأة في جرار فخارية. مما يساهم في تعميق فهم الدور الفكري والديني الذي عاشته القدس في طور نشوء المسيحيين.


أما الدكتور مأمون عبد الكريم -الأستاذ في قسم الآثار بجامعة دمشق- فقد تحدث عن إعادة تأسيس المدن الفلسطينية في العصر الروماني في محاضرة بعنوان «إعادة تأسيس المدن: القدس، القيصرية، بيسان خلال العصر الروماني» حيث شهدت المدن الفلسطينية خلال العصر الروماني تطوراً معمارياً واضحاً تمثل بمخططات تنظيمية أنشئت بأيدٍ معمارية محلية كالشوارع الرئيسية والأسواق والساحات العامة والمعابد والمسارح والحمامات. ومن أهم تلك المدن الفلسطينية القدس التي تعد من أقدم مدن العالم، وعرفت قديماً باسم يبوس ثم أوروشالم نسبة إلى شالم إله السلام عند الكنعانيين، وقد تعرضت المدينة للدمار في القرنين الأول والثاني للميلاد بسبب الحروب التي دارت بين الجماعات اليهودية والرومان، ثم قام الإمبراطور هادريان بمنحها اسم إيليا كابيتولينا في القرن الثاني الميلادي وإعادة إعمارها من جديد. ومن المدن الهامة الأخرى قيصرية على الساحل وبيسان التي ازدهرت في العصر الروماني.


وكان ختام الجلسة مع الدكتورة إيما لوسلي -الأستاذة في جامعة مانشستر في بريطانيا- التي تناولت الآثار المسيحية المقدسة في الفترة الإسلامية المبكرة في محاضرة بعنوان «من قسطنطين إلى الحكيم: نشوء واستخدام الكنيسة من الآثار المقدسة في الفترة الإسلامية المبكرة» حيث تحدثت المحاضرة عن فترة السلام التي سادت مدينة القدس في فجر الفترة الإسلامية مع قدوم الخليفة عمر شخصياً إلى المدينة لحماية مواقع العبادة المسيحية الرئيسية والسماح بحرية العبادة ضمن المدينة. وهدف البحث هو محاولة استنتاج أي نوع من الصرح كان أساس الموقع الذي قامت عليه كنيسة الأماكن المقدسة منذ زمن بعيد.


وشهد مساء الأربعاء 16 كانون الأول طاولة مستديرة حول الدراسات التوراتية للقدس على ضوء حقائق علم الآثار أحياها العالمان الآثاريان الشهيران الدكتور توماس تومسون والدكتور فيليب دافيس، شهدت نقاشاً ضافياً وغنياً حول تاريخ القدس القديمة ومدى تماشيه مع التاريخ المزيف الذي تحاول الصهيونية المعاصرة فرضه على علم التاريخ. وقد أفردنا لها – لأهميتها – تغطية مستقلة خاصة.

 

شهد اليوم الثاني من ندوة «القدس في التاريخ» طاولة مستديرة اشترك فيها عدد من أهم العلماء المتخصصين في حقل الدراسات التاريخية والآثارية التي تتناول فلسطين القديمة، وقد تميزت الطاولة المستديرة بنقاش واسع ومداخلات توضيحية من قبل السادة الباحثين حول تاريخ القدس القديم وانسجام ما عرف عنه من حقائق مع الحقائق الآثارية المعروفة حتى الآن والتي تظهر عدم تطابق مع المعرفة السائدة عن تلك الحقبة.

 

وقد ترأس الطاولة المستديرة عصر يوم الأربعاء 16 كانون الأول 2009 الدكتور عمار عبد الرحمن – رئيس مركز الباسل للبحث والتدريب الأثري – الذي افتتح الطاولة بالترحيب بالحضور والاعتذار عن حضور الدكتور كيث وايتلام لعدم قدرته في المجيء إلى سورية واعتذار الدكتور إنغريد هيجلم عن الحضور بسبب وعكة صحية.

 

ثم تحدث الدكتور عمار عبد الرحمن عن جلسة اليوم التي تتناول موضوعاً في غاية الأهمية يتعلق بالدراسات الكتابية (أو التوراتية) التي تتناول تاريخ القدس القديم، حيث أن الكثير من الدراسات تم القيام بها انطلاقاً من مرجعية سياسية لذا كان لا بد من فهم خلفية هذه الدراسات (التوراتية) وكيف نشأت وما هو دورها الحالي، كل ذلك على ضوء التنقيبات الأثرية الحديثة التي تظهر فجوة كبيرة بين اللقى الأثرية وما يتم صياغته من تاريخ. كما شدد الدكتور عبد الرحمن على ضرورة أن نبقى متابعين لما يقوم به علم الآثار التوراتي الجديد، والمسارات الجديدة التي يمكن يتخذها لما لذلك من تداعيات سياسية قد تكون خطيرة على هذا الصعيد.

 

ورحب الدكتور عمار عبد الرحمن بالأستاذين المحاضرين الدكتور توماس تومسون والدكتور فيليب دافيس.

 

نبذة عن محاضرتي وايتلام وهيجلم: 
ورغم عدم حضور المحاضِرَيْن الدكتور كيث وايتلام والدكتورة إنغريد هيجلم فقد كان لمشاركتها أهمية تنبع من الموقع الذي يحتله كل منهما في لوحة الدراسات الآثارية المتعلقة بتاريخ فلسطين القديم.

 

وقد كانت ورقة الدكتور كيث وايتلام – جامعة شيفيلد في بريطانيا - والتي جاءت بعنوان «توقعات كبيرة: جيروساليم وعلم الآثار الإنجيلي الجديد» ستتحدث عن علم الآثار الإنجيلي ونظرته للمكتشفات الأثرية الجديدة في جيروساليم مثل: نقش يهوآش وقصر الملك دافيد أو الأختام العديدة والقطع الأخرى. وكيف أن هذه المكتشفات سواء المختلقة منها أو الحقيقية تخضع لسياق من ترسيخ صورة خاصة لماضي المدينة المقدسة تنحو لفائدة نظرية محددة ترسخت بعمق في الذاكرة الغربية.

 

أما محاضرة الدكتور إنغريد هيجلم – جامعة كوبنهاغن في الدانمارك - التي قرأها الدكتور فيليب دافيس والتي جاءت بعنوان «عندما يصبح الحلم حقيقة: القدس في العصرين الهيلليني والروماني» فتتحدث عن الفتح البابلي ليهوذا في بداية القرن السادس قبل الميلاد الذي دمر المملكة وتركها بلا سكان، حيث لم يغير تولي الفرس السلطة عام 539 ق.م الظروف كثيراً. بينما بقيت جارتها الشمالية (السامرة) في حالة سلام، ولم يكن هناك أي تعاون مع جارتها الجنوبية. وبالتالي فهناك دليل واحد مشكوك فيه على وجود معبد من قبل الكاتب اليهودي يوسف فلافي (فلافيوس جوزيفوس) من القرن الأول قبل الميلاد. حيث تربى الكتاب اليهود منذ ذاك على أفكار الاستقلال و«الأرض الموعودة» في سياق سياسي واضح لا يستند على أسس على الأرض.

 

الدكتور توماس تومسون وما قبل الفترة الهيلينية في القدس: 
ابتدأ الطاولة الدكتور توماس تومسون في محاضرته «ما نعرفه وما لا نعرفه عن ما قبل الفترة الهيلينية في القدس» والتي تحدث فيها قائلاً: «إن إحدى ردات الفعل على التنقيبات الحديثة في الجانب الشرقي الجنوبي للمدينة القديمة، على قمة جبل أوفيل والتي تم تفسيرها بأنها قصر الملك داوود، كان نشوء جدال كبير قد يستمر للعديد من السنوات القادمة، يعتمد على أن الملك داوود وجد حقاً».

 

وتابع الدكتور تومسون محاضرته قائلاً: «إن هذا الجدار الذي تم الكشف عنه إبان تنقيبات تعود لعشرينات القرن العشرين الماضي يعود في الحقيقة إلى العهد الهلنستي، حيث أن جدرانه واللقى الآثارية تعود بشكل شبه مؤكد إلى العصر البرونزي الأوسط وصولاً إلى الفترة الهيللينية المبكرة. وبالتالي فإن الادعاءات السابقة تشكل تفسيراً نمطياً للاستخدام السياسي لعلم الآثار وهذا لا يفاجئنا».

وأكمل الدكتور تومسون: «هناك فجوة بين العصرين الحديدي والبرونزي في تاريخ القدس الأثري، وفجوة في الفترة الواقعة بين تدمير نبوخذ نصر الثاني للمدينة وإعادة بنائها في العهود اللاحقة. وسوف أعرض التنقيبات وطبيعة المعلومات التاريخية التي يمكن تحديدها حول الاستيطان في المدينة. فبعد 140 سنة من الاكتشافات الأثرية، يمكن أن أحدد أربع فترات رئيسية هي: العصر البرونزي الأوسط، العصر البرونزي المتأخر، الانتقال بين العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي الثاني، والفترة الطويلة التي يحددها دمار سويات عصر الحديد الثاني لمباني القرن الثاني في المدينة الهيللينية».

 

وتابع الدكتور تومسون: «لم يتمكن الآثاريون في الفترة ما قبل الهيللينة من تحديد تصور واضح عن المدينة القديمة. ومع ذلك فإن تاريخ المدينة يعكس على نحو وثيق أنماط الاستيطان في المناطق الفلسطينية السبعة في تلك الفترة. فقد كانت المدينة سيئة للاستيطان بشكل عام، وذلك من منظور التربة والمناخ والمياه والموقع التجاري، والذي ينظر لها في تلك الفترة، يصعب عليه التوقع في أن تتطور مدينة كبيرة في العهود القديمة في ذلك المكان، حيث أن هناك احتمالات محدودة لتطور الزراعة والوصول لمصادر المياه. وبالتالي فإن هناك بقايا محدودة تعود للعصر الحجري القديم والأوسط، كما أن هناك مستوطنات قريبة من منابع المياه في العصر الحجري الوسيط تم التخلي عنها في العصر البرونزي حوالي 300 ق.م. كما تم اكتشاف عدد من المقابر بالقرب من القدس وحولها تعود للعصر البرونزي الوسيط، ومن الواضح أن هناك فترة طويلة من الجفاف، حيث ساد في المنطقة رعي الأغنام والماعز».

 

وأكمل الدكتور تومسون في محاضرته: «هناك ما يشير إلى انعكاس ذلك في النصوص التوراتية والتي تفسر المستوطنات بغزو الأموريين وترتبط بالقصص التوراتية عن الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب حوالي 2000 ق.م ويظهر ذلك في تسميات بلدات فلسطينية تم العثور عليها في نصوص اللعن المصرية التي اكتشفت في جبل أوفيل، ولكن هذا يعكس نوعاً من التناقض حيث أن نصوص اللعن كتبت بين عامي 1770-810 ق.م كما أن الأموريين لا يعكسون جماعية عرقية معينة أتت من بلاد الرافدين».

 

وقال الدكتور تومسون: «هناك اتفاق على أن المدينة المسورة من عصر البرونز الأوسط والتي أشير إليها في نصوص اللعن المصرية باسم أوروشالوموم هي مدينة رشاليم القديمة، وتعني الكلمة بالمصرية مدينة الإله سالم وهو الاسم الذي عرف به القسم الغربي من المدينة، حيث كانت هناك مياه تكفي لحوالي 2000 شخص، مما يعكس بلدة للتسويق المركزي لاقتصاد البحر المتوسط، ويغلب عليها رعي القطعان وزراعة الزيتون والفواكه على المرتفعات الغربية، وتحكم من قبل نظام رعاية في الأراضي الشمالية من إقليم يهوذا. كما تحتوي رقيمات تل العمارنة في مصر رسائل من ملك أورشاليم في العصر البرونزي المتأخر تشير إلى وجود بلدة رعوية تسيطر على أراضي فلسطين الجنوبية. ومع ذلك، لم تستطع التنقيبات على جبل أوفيل حتى الآن أن تثبت وجود مثل هذه البلدة في منطقة القدس وعلى الأغلب فإن هذه البلدة قد انتقلت إلى مكان آخر في المنطقة في العصر البرونزي الأوسط، حيث استمرت حالات الجفاف وامتدت إلى العصر البرونزي مما زاد من عدم الاستقرار وانهارت المستوطنات في معظم المناطق المرتفعة، وتحولت البيئة المستقرة إلى جوار ينابيع المياه وتم التخلي عن المرتفعات».

 

وتابع الدكتور تومسون: «إن البقايا التي وجدت في جبل الزيتون وشمال بوابة دمشق (بقايا معبد مصري) تشير إلى أن أوروشاليم كانت مدينة صغيرة محصنة في المرتفعات الجنوبية، وكانت مسؤولة عن الحفاظ على المصالح المصرية في المنطقة. وبالتالي فهي ليست في محيط مدينة القدس الحالي، حيث كان انتقال الأسماء والمدن في العصور القديمة أمراً معروفاً ومتكرراً».


الدكتور توماس تومسون

وأكمل الدكتور تومسون: «في العصر الحديدي الأول لم يكن هناك أية بلدة على جبل أوفيل، وبالتالي يصبح الحديث عن فتوحات الملك داوود أمراً غير مثبت، ولم يكن هناك مملكة يهودية موحدة في القدس ولا حتى مدينة تجارية. وجل ما تم اكتشافه هو مصطبة حجرية مدرجة تدعم طبقة صغيرة تحت حرم ما يعتقد أنه منزل أو قصر يعود للقرن العاشر قبل الميلاد. أما في الفترة اللاحقة على امتداد عصر الحديد الثاني فهناك توسع لمدينة أوروشاليمو على الهضبة الغربية للقدس يبدو أنه يعكس سيطرة المدينة على الأراضي الجنوبية لفلسطين، حيث تظهر النصوص الآشورية من القرن التاسع قبل الميلاد على أن المدينة كان لها سور يدافع عنها ولكن ليس هناك إشارة على أنها مركز إداري. وقد أتى تدمير مدينة لاكيش (701 ق.م) من قبل الملك الآشوري سنحاريب إلى توسع دور أوروشاليمو مما قاد إلى توسعها العمراني حتى أواسط القرن السابع قبل الميلاد».

tomson

الدكتور طوماس طومسون

 

ووصل الدكتور تومسون إلى خلاصة محاضرته بالقول: «لكل ذلك لا أعتقد بالهجرة من سومر إلى المناطق اليهودية، فليس هناك تاريخي لقدس مستقلة في تلك الفترة. كما لا أنه لا توجد إشارة لوجود مستوطنات حتى أواسط القرن الخامس، وحتى عند العودة المزعومة من بلاد فارس، فقد نقص عدد سكان منطقة يهودا التي لم تكن تتجاوز مساحتها 150 دونماً، من حوالي 10-15 ألف نسمة إلى 400-1000 نسمة، ولا دليل على وجود جدار للمدينة مع أو بدون بوابات. ولم تصبح المدينة مركزاً إدارياً كبيراً إلا في عهد أنطيوخوس الثالث. وبشكل عام تشير الفترة الفارسية إلى مستوطنات صغيرة في منطقة تمتد على مساحة 20-50 دونماً، وهناك فجوة مفاجئة لانخفاض عدد السكان. إن ما لدينا هو وجود أدلة على وجود يوروشليم كمدينة مقدسة آرامية، وعلى وجود حصن مصري طلب من يوحانان الكاهن الأعلى في يوروشليم المساعدة في بناء معبد لليهود، فأورشليم كانت مركزاً دينياً وكلمة هيكل (مكان مقدس، معبد) لا تشير بالضرورة مكاناً كبيراً كما ذكر بشكل مفصل في التوراة».

 

وأنهى الدكتور تومسون محاضرته بالقول: «لا أدلة حقيقية على عودة من المنفى بعد دمار أوروشاليمو في القرن السادس ويدل على ذلك أنماط الاستيطان في تلك الفترة، أما يوروشليم في العهد الفارسي فقد كانت مدينة دينية غير محصنة لليهود وغيرهم».

 

وتلا المحاضرة نقاش مفصل حول بعض الحقائق والمصطلحات التي تناولها الباحث، حول جغرافية التوراة وتعريفه للأموريين ونظريته حول التغير المناخي أجاب عنها بتفصيل كبير.

 

الدكتور فيليب دافيس والفترة البابلية الحديثة: 
ثم تحدث الدكتور فيليب دافيس – جامعة شيفيلد في بريطانيا - في محاضرة قيمة بعنوان «الفترة البابلية الحديثة» عن فترة من أكثر الفترات إشكالية في تاريخ فلسطين القديم والتي تتحدث عن دمار المدينة القديمة وسبي سكانها، وعن مدى صدقية فكرة العودة إلى أرض أورشليم المقدسة.

 

الدكتور فيليب دافيس

وتحدث الدكتور دافيس في محاضرته قائلاً: «هناك فترة من التاريخ في عصر الحديد لم يذكر فيها أي شيء عن جيروساليم في النصوص المقدسة. مما أعطى الانطباع بأنه عند قدوم الحكومة الجديدة في إقليم يهوذا وتأسيسها في ميزباه هرب بقية السكان إلى مصر تاركين الأرض فارغة، ثم تدور القصة حول عودة المتحدرين من يهوذا وإعادة بناء المعبد في جيروساليم. ولكن هذه القصة وفقاً للمكتشفات الأثرية والحقائق التاريخية تبدو مربكة ومشوشة وغير متينة وخاضعة بقوة للنقد العميق».

davis

الدكتور فيليب دافيس

 

وأكمل الدكتور دافيس: «لقد استولى نبوخذ نصر على سورية عام 609 ق.م وفي سجلات هذا الملك الآشوري ثار ملك يهوذا الموالي لمصر ضد الملك البابلي مما أدى إلى تدمير المدينة وسبي هذا الملك إلى بابل مع كثير من اليهود، كما أن هناك في العهد القديم ذكراً لثورة أخرى عام 586 ق.م أدت إلى سبي آخر، حيث نقلت إدارة المنطقة إلى مدينة ميزباه (تل النصبة)، وبالتالي فقد كوفئ حكام المنطقة الشمالية من بني بنيامين من قبل البابليين بإعطائهم حق إدارة تلك المنطقة».

 

وتابع الدكتور دافيس: «ورغم الأدلة الأدبية فقد أظهرت التنقيبات انتقال سكان القدس بعد تدميرها شمالاً. وعلى مدى حوالي قرنين لم تكن القدس أهم مدينة في فلسطين بل مدينة مدمرة، وقد دار حول هذه الحقيقة الكثير من الأساطير التوراتية وإحداها النفي والعودة والأرض التي فرغت من سكانها والأرض الموعودة. حيث نظر اليهود إلى التاريخ على أنه تاريخهم فقط، وأن ما حدث كان عقاباً من الله للحكام، أما السبي فيسمى من قبلهم "النفي" وكأن الأرض لهم فقط، وعن هذا أقول أن السبي في الفترة البابلية والفارسية كان دائماً وليس مؤقتاً ولا أدري من أين أتى الاعتقاد بأنهم سيعودون. إذ لا دلائل على وجود أية عودة بل ربما تسرب بطيء لبعض المهاجرين إلى جنوب فلسطين كما يظهر المسح الأثري للمنطقة في منتصف القرن الخامس إلى الرابع قبل الميلاد».

وأوضح الدكتور دافيس فكرته قائلاً: «هناك من عادوا وليسوا من اليهود، ولكن الأسطورة تقول بأن معظم اليهود تم نفيهم إلى بابل ويتجاهلون من بقي في هذه الأرض، وهكذا تسود الأسطورة بأن أمة بأكملها نفيت وعادت مبعدين من بقي في الأرض من هذه الأمة. وتالياً أخذ حتى من بقي من يهوذا يشارك في ذكريات النفي رغم أنهم لم يعيشوه حيث أصبحت خرافة النفي والعودة جزءاً راسخاً في الذاكرة الجمعية والهوية اليهودية وحتى جزءاً من الذاكرة الغربية. ومن لم يعد منهم إلى فلسطين أو هاجر لأسباب اقتصادية مثلاً أصبح يطلق عليهم اسم المنفيين، وبعد طرد اليهود والمسيحيين من القدس بشكل نهائي من قبل الإمبراطور الروماني هادريان ترسخت خرافة النفي والعودة هذه بصورة كبيرة».

 

وأكمل الدكتور دافيس: «إن التوراة نفسها تذكر أن بعض الناس بقوا في الأرض لممارسة الزراعة ورعي الماشية، فقد استمرت الحياة في فلسطين ولم تتوقف، ومن بقي في فلسطين أخذت منهم الروايات الأسطورية لغتهم وهويتهم أيضاً واعتبروا غير يهود».

 

وتابع الدكتور دافيس: «يظهر المسح الأثري أن عدد سكان القدس بدأ يزداد في القرن الخامس قبل الميلاد وربما بني معبد فيها (رسائل أنطوني لكاهن المدينة) وربما استخدمت المدينة كمزار أو مصلى، وقد تحدث المؤلف اليوناني هيتاتيوس عن القدس كمدينة لليهود (عام 300 ق.م)، كما يتحدث كتاب يعود لعام 100 ق.م عن طائفة يهودية في القدس، وربما كان يوجد معبد في المدينة، ولكن لو كانت عاصمة لبني فيها قصر أو قلعة ولاكتشفت آثارهما. هناك بعض الأدلة في نهاية القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد تدل على أساسات سكن وربما حدثت عودة تدريجية بطيئة للمدينة في تلك الفترة».

 

وأكمل الدكتور دافيس: «يبقى السؤال، أنه إبان تدمير القدس أين مارس اليهود طقوسهم الدينية، باعتقادي أن هذا المعبد يقع في الشمال في منطقة بني بنيامين وربما لم يكن لليهود فقط بل لمختلف الطوائف الدينية في ذلك الوقت. إذ لا بد أن ندرك أن فلسطين لم تكن أبداً لعرق أو دين واحد، ويعتقد أن المعبد خضع لسلطة المجتمع الشمالي الذي تحول لاحقاً لبلدة بيت لوميا (إسرائيل) في القرن السابع قبل الميلاد، وقد دعيت سومرية وعندما انهارت حل محلها عدة ممالك أخرى، أما في الجنوب فقد ظهر مجتمع في منتصف القرن الثامن قبل الميلاد دعي باسم في نص آشوري وبعد ذلك لا نعرف أي شيء محدد عنه، إذاً متى ظهرت فكرة أن شعب يهوذا جزء من أمة إسرائيل؟ أعتقد أن هذا بدأ في فترة الحكم البابلي بعد تدمير أورشليم، ولا أرض لدولة إسرائيل موحدة، بل كانت هناك مجموعة من الممالك المنفصلة».

 

وتابع الدكتور دافيس موضحاً فكرته النهائية: «إن ما يدعى إله إسرائيل كان في مزار يدعى بيت إيل، ولمدة مئة عام كان شعب يهوذا يعبد إله إسرائيل منذ ذلك التاريخ، وهكذا فإن إسرائيل هو مفهوم ديني إذ اشترك شعب يهوذا مع شعب سومرية في بعض النصوص (أسفار موسى الخمسة) وأخذ شعب يهوذا يعتبرون أنفسهم أبناء يعقوب كجالية دينية وسياسية تحولت فيما بعد إلى ما يسمى شعب إسرائيل في اختلاق لتاريخ غير موجود. أي أن تدمير القدس أدى لاختلاق خرافة أمة إسرائيل وأرض إسرائيل التي تغطي كامل فلسطين».

 

وتلا المحاضرة نقاش موسع للأفكار والمفاهيم التي استعرضت فيها وتوضيح لبعض التفاصيل والمصطلحات التي وردت.

 

ويبقى القول أن الطاولة المستديرة كانت غنية جداً سواء بالمعلومات والطرح المقدم أو بالنقاش الذي استتبعها والذي أداره باقتدار الدكتور عمار عبد الرحمن رئيس الجلسة.

 

محمد رفيق خضور
تصوير: عبد الله رضا

 موقع اكتشف سورية

المجموعة: الحضارة الكنعانية- الفينيقية- اللبنانية

من مؤلفات إيلبنانيون

المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

bethdesign102 

الكاتب: الأب الدكتور يوسف يمين

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ

كلمة سعيد عقل في جامعة اللويزة

 5 نيسان 2000

أبتي الرئيس، صديقي الأب يمّين، خَلِيني إثني كلمة الأستاذ مطر، إنو الجامعة هَوْن بْتِسْمَعْ كلْ الناس وبتريد كل واحد يعطي رأيو حتى هوي يحترملنا رأينا...

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب للأب يمّين ينفض كل الموروثات

الديار في 3- 12- 1999

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب جديد للأب الدكتور يوسف يمّين الإهدني ينقض كل المَوروثات والمعتقدات الدينية السائدة...

دعوة إلى تنقية المسيحية المشرقية

ميشال سبع- جريدة المستقبل

في القسم الأول من الكتاب حاول الأب يمّين كشف أن بيت لحم هي لبنانية وليست في اليهودية واسمها القديم أفراته وهي مدينة كنعانية تحدثت عنها رسائل تل العمارنة...

جائزة سعيد عقل إلى الأب يمّين

الأنوار– الاثنين 20- 3- 2000

منح الشاعر سعيد عقل جائزته الأسبوعية التاسعة للأب العلامة يوسف يمّين على كتابه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

"المسيح ولبنان

ملحق الديار "أوريزون"- الأحد 19- 12- 1999

في حوار مع السيدة "مي المر"، سؤال: "ثمة كتاب صدر مؤخرا أيضا يحاول أن يثبت بأن المسيح هو لبناني؟...

أهم ما كتب عن لبنان إطلاقا

سعيد عقل- السفير 28- 4- 200

أخذت مراكز العلم تتناول بإهتمام كتاب العلامة الأب يوسف يمّين "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

كتب إيلبنانيون

أبحاث إيلبنانيون

في اللإيزوتيريك

- طاولة الزمرد- العلّامة الأب يوسف يمّين

أركيولوجيا غير إعتيادية

- سلسلة مباني عملاقة- إيلبنانيون

- نظرية التطور- بين الحقيقة والخيال- إيلبنانيون

في التاريخ والأركيولوجيا

البحث عن اسرائيل الكنعانية- إيلبنانيون

- المارونية في جذورها وأبعادها الروحية- العلّامة الأب يوسف يمّين