جاك دريدا فيخطاب ممّا وراء القبر:
ابتسموا لي كما كنت سأبتسم لكم حتّى النهاية

 

كاظم جهاد

ملحق النهار: 24- 10- 2004


باريس...
في ظهر يوم الثلثاء المصادف الثاني عشر من شهر تشرين الأول الجاري، ووري الفيلسوف جاك دريدا التراب. لم يرافقه إلى مثواه الأخير إلاّ ما يقرب من مئة من المودّعين، الأصدقاء المقرّبين للراحل ولعائلته. كذلك كانت مشيئته، مثلما كانت مشيئته أن يُدفَن في مقبرة الضاحية الباريسيّة التي يقيم فيها هو وأسرته منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، ريس - أورانجيس الواقعة على مقربة من مطار أورلي الدوليّ. مقبرة مختلطة رأيتُ فيها إلى دريدا، المولود في كنف عائلة يهودية بقيت مقيمة في الجزائر حتى استقلالها ولم تغادرها إلاّ على مضض، رأيت إليه وهو يمضي في رحلته الأخيرة تحيط به من يمينه ومن شماله، ومن الوراء، قبور حاملة صلباناً عديدة. من الجهة الأماميّة لا يتقدّم مثواه قبر آخر، إذ جاء ترتيبه في الصفّ الأوّل على يمين المقبرة المنعزلة عن ضوضاء الضاحية والأوتوستراد. علّ هذا يقرّبه أكثر من الأفق، هو الذي طالما فتح للفكر والصداقة آفاقاً غير متناهية.


مَن حضروا معي دفن دريدا لاحظوا أنّه احتفظ بالكلمة الأخيرة مثلما كان يفعل في أغلب مناظراته. وذلك لا عن إرادة في الهيمنة على الكلام بقدرما عن رفض صادق للكلام المنقوص والمبادرات المرتجلة. تقدّم ابنه البكر بيار، وهو شاعر وأستاذ للفلسفة وواحد من واضعي الترجمة الجديدة للكتاب المقدّس، يوقّع عادةً بالاسم المستعار، بيار ألفيري، حتّى لا يفيد من صيت أبيه ولا يستحوذ على إشعاعه، تقدّم بخفر وألم مكتوم ونطق بخطبة وداع قصيرة كان دريدا نفسه يتكلّم فيها أكثر من ابنه الآتي لتوديعه. قال ما يأتي:


طلبَ والدي جاك دريدا ألاّ يُلقى اليومَ خطاب تأبينيّ، لأنّه يعرف، عن تجربة، أنّ في هذا إيلاماً لذوي الرا

حل وأصدقائه. أرجوكم ألاّ تحزنوا، يقول لكم. فكّروا في اللحظات الهانئة الوفيرة التي أتحتُم لي مشاطرتكم إيّاها. فكّروا بالحياة. فكّروا بالبقاء. ابتسموا لي كما كنت سأبتسم لكم حتّى النهاية .
هذه هي كلمات بيار، الحاملة كلام دريدا نفسه. علقتْ في ذاكرتي، لا أحسب أني نسيت منها إلاّ عبارة أو اثنتين. كلمة البقاء التي ضمّنها دريدا كلامه الملقى على ابنه في ما يشبه الوصيّة، هو الذي كان فيلسوف الوصيّة والميثاق والعهد المبرَم والوعد المقطوع، هذه الكلمة تتضمّن وحدها ميثاقاً نهائيّاً يبرمه قبل الانسحاب في ضمائر العارفين بلغته والضالعين في مفهوماته. كلمة يفتح عبرها أكثر من نافذة لفضاء آخر. لقد طوّر دريدا مسألة البقاء survie، بقاء المرء بعد كارثة أو بعد محو جماعيّ، وما يقع على عاتقه آنئذٍ من مسؤولية في الكلام، وبقاء المرء في أعماله، بل بقاء العمل نفسه بعد رحيل صاحبه وديمومته في ترجماته وشروحه. وطالما فسّخ دريدا الكلمة على نحو sur-vie لتدلّ، بحسب إمكانات القراءة التي يتيحها وجود البادئة اللغوية، على حياة هي أعلى من الحياة. حياة مضافة. من وراء حياته البيولوجيّة التي أوقفها المرض الخبيث، يشير دريدا إلى حياة أخرى لا تقيم في فضاء أخرويّ أو قياميّ بقدر ما تترسّخ في الجهد والمعاناة الخلاّقة والابتكار الفعّال. هكذا كان، منذ أوّل أعماله، شاعر الفلسفة وفيلسوف الكتابة، خالق كلماتٍ ومفكّك أبنيةٍ يعيد رصف هياكلها في تركيب جديد.


نافلٌ أن نزعم في هذه العجالة التعريف بفكر دريدا. نشير، فحسب، إلى النضال العجيب، المتمادي، الذي بقي يخوضه حتّى قبل رحيله بسويعات. أعاد التفكير في الموت وذكّرنا بأنّ الفلسفة هي أساساً أن نتعلّم الموت. ومع ذلك فقد أكّد، في الحوار المطوّل الذي أجرته معه صحيفة لوموند ونشرته في الثامن عشر من آب في هذا العام، أكّد أنّ الموت هو ما لا يقدر المرء أن يتعلّمه. في الحوار نفسه ندّد بالسياسة الانتحارية التي تتبعها إسرائيل وقال إنّها لم تعد تمثّل اليهودية ولا الشتات اليهوديّ، ولا حتّى الصهيونية الأصلية التي تضمّ يهوداً ومسيحيّين، قاصداً الحالمين بالعودة إلى الأرض المقدّسة بلا برنامج دولةٍ ولا احتراب. ومن على سرير مرضه، في أيّامه الأخيرة، كتب للصحيفة نفسها رسالة احتجّ فيها على الطريقة التي نشرت فيها دار غاليمار أعمال أرتو في طبعة جديدة شاملة، تميّزت بالرضوخ لمطالب وارث أرتو (ابن أخيه)، الذي جاء ليمحو كامل الجهد الذي بذلته في حفظ أعمال الشاعر وترتيبها صديقته بول تيفينان.


هذه الانهماكيّة العالية كانت ديدن دريدا طوال حياته. لم يكن ليرضى بترك الأمور على عواهنها، وكان يؤلمه، أكثر ما يؤلمه، أن يخطىء الآخرون قراءة فكره المعقّد والمهووس بالدقّة ويقوّلوه الشيء ونقيضه. إساءة الفهم الكبرى التي كانت تغيظه، والتي نقابلها في الكثير من القراءات العربيّة لعمله مثلما في لغات أخرى، هي هذه التي تتوهّم وتوهم أنّه انتصر للجانب المقموع وحده من طرفَي الديالكتيك أو الجدل الكلاسيكيّ الذي تتأسّس عليه الميتافيزيقا، والذي يتأسّس بدوره على عدد من الأزواج المفهوميّة أو المقابلات المتضادّة. إنّ الانتصار لأحد طرفي المعادلة يعني القيام بعمليّة قلب بسيطة ويبقينا داخل المقابلة الضديّة والتناظر المتعارض الذي جاء فكر الاختلاف أساساً لإخراجنا منه. لم ينتصر دريدا للكتابة ضدّ الكلام الشفاهيّ الذي تعدّه الميتافيزيقا أقرب إلى الحقيقة، بل كشف عن نوع من كتابة أصليّة تجمع وتفرّق كلاً من الكتابة والكلام. فنحن نكتب متكلّمين ما دمنا نرصف العبارات وفق نظام معيّن، وإن يكن عشوائياً، وما دمنا نمارس بين الكلمات تفضية وإزاحة متواترتين منتظمتين. ولم يُعلِ دريدا من شأن اللا- هويّة أو اللا- حضور، بل رأى في الغياب شاكلة للحضور، وأرانا أنّ الحضور مسكون أحياناً بالغياب، مثلما تظلّ الهويّة مسكونة باختلافها الذي يمنعها من التطابق وذاتها تطابقاً سيعني، لو حصل، تشنّجها، بل موتها.


في معترك الحياة والسياسة والفكر، وبالرغم من سعة مجال تحرّكه الذي شمل المعمورة بكاملها، استطاع دريدا أن يجذّر لدى جميع من تعاونوا معه وعملوا وإيّاه الإحساس الأكيد والذي لا يمكن أن يخطىء في أنّ الأمر يتعلّق بصداقة من نمط عالٍ، وأنّها قائمة على تفاهم وعلى اختيار. وضع دريدا في هذا الباب كتاباً ضخماً عنوانه سياسات الصداقة ضمّنه مراجعة دقيقة وصبوراً لفلسفات الصداقة منذ أرسطو حتّى نيتشه ومفكّرين معاصرين وأودعه تصّوره هو نفسه للعقد الصداقيّ. لكنّ الصداقة تمثّل المحور الأساسي للعديد من كتاباته. ومثلما برع في ممارسة التفكيك القاسي الذي لا هوادة فيه لأسس الميتافيزيقا التي وجد فيها الميثولوجيا الخاصّة بالغرب تكتنف استيهاماته وتؤطر إسقاطاته الأكثر تواتراً ورسوخاً، برع دريدا في فنّ التقريظ الفلسفيّ والنقديّ ووضع في العديد من أصدقائه كتابات واسعة يذهب فيها إلى النابض الأساس الذي يؤسّس اندفاعاتهم الفكريّة والأدبيّة والكيانيّة. ولئن شمل هذا الفيض الدريديّ عدداً من المعاصرين (جان جنيه الذي أكّد غير مرّة أنّ دريدا هو أفضل من قرأه، أو جان - لوك نانسي أو هيلين سيكسوس)، فهو كان يشمل أيضاً عدداً من الأسلاف المباشرين كان دريدا يرفع عنهم شبهة الموت ويعيدهم بين ظهرانينا ناطقين عبر شروحه المتعاطفة العميقة بكلام أساسيّ. هكذا أعطى فالتر بنيامين حضوراً باذخاً في فلسفته للكتابة والترجمة، وعمل على ردّ الاعتبار الى ماركس في لحظة توهّم الكثيرون في الغرب أنّ الماركسية لم تعد تمثّل أكثر من طيف بعيد لطوباويّة آفلة. ودافع عن هايدغر وقال إنّ انتماءه الى الحزب النازيّ شأنه شأن خروجه منه كان مبكّراُ وبعيداً عن سنوات الرعب التالية للبدايات، وأنّ هايدغر، إن كان شاد بإرادة القوّة الألمانيّة فهو قد امتنع عن الصبّ في مياه التمييز العرقيّ المنادي بتفوّق العرق الجرمانيّ. وأخيراً، ذكّر بأنّ خطاباً أوروبياً قومانيّاً يقوم على تهميش الآخرين يخترق فكر بدايات القرن العشرين ويشمل حتّى هوسرل (وهو الضحيّة) والشاعر الفرنسيّ بول فاليري. وعندما تعالت بعض الأصوات للنيل من صدقية موريس بلانشو، الناقد والروائيّ العميق التأثير على فوكو ودولوز ودريدا، نقول النيل من صدقيّته بحجّة اقترابه في سنوات الشباب من تيّار يمينيّ متطرّف، وضع دريدا كتاباً ذكّر فيه بالنشاط الفعليّ الذي مارسه بلانشو في صفوف المقاومة الفرنسيّة. طويلاً توقّف دريدا عند حدث أساسيّ: عندما تمّ القبض على بلانشو وإيقافه بإزاء حائط لإعدامه، قبل أن يخلّصه، في ما يشبه المعجزة، تصاعد إطلاقات ناريّة قريبة صادرة عن عناصر المقاومة دفعت الفصيل الألمانيّ إلى الانسحاب. هذا اللحظة التي يسميّها بلانشو (وهذا هو عنوان إحدى رواياته) وقفة الموت ، بمعنى الوقوف أمام الموت والخضوع لحكمه وبمعنى إرجائه، بدت لدريدا وهي تمثّل التجربة المحوريّة لرجل وجد نفسه محكوماً باستعادتها طيلة حياته.


هذه الصداقة التي كانت تحتضن الأفراد وتمضي في دورات عنيفة من الاستقراء المشبوب الصعب في اتجاه اختبارهم الرهيب الحاسم، كانت تبسط بركتها على شعوب أيضاُ. هكذا نشطَ دريدا طويلاً من أجل الإفراج عن نيلسون مانديلا ووضع دراسة كشف فيها عن الأساس الفلسفيّ الذي وجّه دفاعات نيلسون الشهيرة عن نفسه أمام قضاته الاعتباطيّين. ثمّ تعمّقت الصداقة بعد إطلاق سراح مانديلا ووصوله إلى الرئاسة.


الشيء نفسه مع الفسلطينيّين. سبقَ أن توقّفتُ في دراسة نشرتها مجلّة الكرمل قبل سنوات بعنوان سياسة دريدا عند النقد الحادّ الذي وجّهه دريدا، في غير مناسبة، للفكر اليهوديّ من جهة وللسياسة الاسرائيليّة من جهة أخرى. بدأ دريدا نشاطه الفكريّ بمقالة في الشاعر المصريّ الأصل إدمون جابيس كتبها في بدايات الستينات من القرن المنصرم قال فيها إنّ اليهوديّة هي الترحال الدائم ولا يمكن أن تجد نفسها داخل حدود مؤسّسة أو دولة. فعل هذا بكامل الوضوح والشجاعة وجرّ على نفسه نقداً عنيفاً من هنري ميشونيك وآخرين اتّهموه بتحويل اليهوديّة جوهراً ثابتاً يخرجها من التاريخ الذي يجد في الصهيونيّة في نظرهم إحدى أكبر مغامراته. وفي قراءاته الحديثة العهد لشعر باول تسيلان بدأ بالقول إنّه، أي دريدا، إن كان يتكلّم عن محرقة اليهود (موضوع الشاعر) فهو لا ينسى أنّ محارق أخرى تحدث في أماكن شتّى في كلّ لحظة. هكذا كان دائم الحرص على أن يردف المعاناة اليهوديّة بمعاناة شعوب أخرى، رافضاً احتكار العذاب ورموزه وعلاماته، تاركاً للآخر مكاناً في قلب كلّ تجربة وكلّ خطاب. وهذا هو ما حدا به، في كتابه وداعاً يا ليفيناس مثلاُ، إلى انتقاد فكرة الاختيار (فكرة شعب اللّه المختار )، واجداً فيها تعلّة لتبرير أكثر الممارسات قومانيّة ومركزة عرقيّة.


مثل هذا الفهم للصداقة، وصداقة كهذه، موعودان ولا ريب بالبقاء، بالمعنى نفسه الذي أراده دريدا، في إثر بنيامين، لحياة هي أكثر وأفضل من الحياة

 

المجموعة: الفيلسوف جاك دريدا

من مؤلفات إيلبنانيون

المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية

bethdesign102 

الكاتب: الأب الدكتور يوسف يمين

الكتاب ينطلق من تصحيحات امنا الكنيسة نفسَها في مجالات اللغة والترجمة وعلوم الحساب والتاريخ

كلمة سعيد عقل في جامعة اللويزة

 5 نيسان 2000

أبتي الرئيس، صديقي الأب يمّين، خَلِيني إثني كلمة الأستاذ مطر، إنو الجامعة هَوْن بْتِسْمَعْ كلْ الناس وبتريد كل واحد يعطي رأيو حتى هوي يحترملنا رأينا...

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب للأب يمّين ينفض كل الموروثات

الديار في 3- 12- 1999

"المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية" كتاب جديد للأب الدكتور يوسف يمّين الإهدني ينقض كل المَوروثات والمعتقدات الدينية السائدة...

دعوة إلى تنقية المسيحية المشرقية

ميشال سبع- جريدة المستقبل

في القسم الأول من الكتاب حاول الأب يمّين كشف أن بيت لحم هي لبنانية وليست في اليهودية واسمها القديم أفراته وهي مدينة كنعانية تحدثت عنها رسائل تل العمارنة...

جائزة سعيد عقل إلى الأب يمّين

الأنوار– الاثنين 20- 3- 2000

منح الشاعر سعيد عقل جائزته الأسبوعية التاسعة للأب العلامة يوسف يمّين على كتابه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

"المسيح ولبنان

ملحق الديار "أوريزون"- الأحد 19- 12- 1999

في حوار مع السيدة "مي المر"، سؤال: "ثمة كتاب صدر مؤخرا أيضا يحاول أن يثبت بأن المسيح هو لبناني؟...

أهم ما كتب عن لبنان إطلاقا

سعيد عقل- السفير 28- 4- 200

أخذت مراكز العلم تتناول بإهتمام كتاب العلامة الأب يوسف يمّين "المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية"...

كتب إيلبنانيون

أبحاث إيلبنانيون

في اللإيزوتيريك

- طاولة الزمرد- العلّامة الأب يوسف يمّين

أركيولوجيا غير إعتيادية

- سلسلة مباني عملاقة- إيلبنانيون

- نظرية التطور- بين الحقيقة والخيال- إيلبنانيون

في التاريخ والأركيولوجيا

البحث عن اسرائيل الكنعانية- إيلبنانيون

- المارونية في جذورها وأبعادها الروحية- العلّامة الأب يوسف يمّين